17 ربيع الثاني 1448

الموافق

الأربعاء 30-09-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

بأقلامهم بأقلامهم قراءة سياسية في خطاب خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود في افتتاح الدورة الثالثة لمجلس الشورى
قراءة سياسية في خطاب خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود في افتتاح الدورة الثالثة لمجلس الشورى
د. عبد الرحيم جاموس
2026-09-30
قراءة سياسية في خطاب خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود في افتتاح الدورة الثالثة لمجلس الشورى

جاء الخطاب الملكي السنوي لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، الذي ألقاه نيابةً عنه صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، في افتتاح أعمال السنة الثالثة من الدورة التاسعة لمجلس الشورى، ليقدم صورة واسعة عن المملكة وهي تدخل مرحلة جديدة من مسيرتها الوطنية، بعد عقد كامل على إطلاق رؤية السعودية 2030، وفي ظل بيئة إقليمية ودولية شديدة الاضطراب والتغير. ومن ثم فإن قراءة الخطاب لا تستقيم باجتزائه إلى عناوين منفصلة، وإنما بالنظر إليه بوصفه خطاباً سياسياً متكاملاً يجمع بين ثوابت الدولة، وقوة الاقتصاد، وتنمية الإنسان، والتكيف مع المتغيرات، وحماية الأمن الوطني والخليجي، والدور السعودي في معالجة أزمات المنطقة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية. 

ومن اللافت أن الخطاب استهل حديثه باستحضار الجذور التاريخية للدولة السعودية، والإشارة إلى اقتراب الاحتفال بمرور ثلاثمائة عام على نشأتها، والتأكيد على قيام الدولة على التوحيد والعدل والتمسك بكتاب الله وسنة رسوله، وعلى مكانة خدمة الحرمين الشريفين. وهذا الاستهلال يؤكد أن التحول الذي تشهده المملكة لا يُقدَّم باعتباره قطيعة مع ماضيها، وإنما باعتباره امتداداً لمسار الدولة وثوابتها وقيمها، وهي نقطة أساسية لفهم بقية الخطاب. 

ومن هذه الأرضية ينتقل الخطاب إلى التحول الاقتصادي والتنموي الذي شهدته المملكة خلال السنوات العشر الماضية. فقد أشار إلى أن مؤشرات أداء برامج واستراتيجيات رؤية 2030 حققت 93% من مستهدفاتها، وأن الصادرات غير النفطية نمت بنسبة 155% مقارنة بعام 2016، فيما ارتفعت مساهمة القطاع الخاص في الاقتصاد إلى 51%. كما تناول استراتيجية صندوق الاستثمارات العامة للسنوات الخمس المقبلة، القائمة على بناء منظومات اقتصادية محلية تنافسية، وتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص والمحتوى المحلي وتحقيق عوائد مستدامة. 

لكن أهمية هذه الأرقام في القراءة السياسية للخطاب لا تكمن في الأرقام ذاتها، وإنما في ما تعكسه من تصور لمصادر القوة الوطنية. فالمملكة تعمل على توسيع قاعدة اقتصادها، وتنمية قطاعاتها الواعدة، والاستثمار في رأس المال البشري، وتطوير التعليم والصحة والخدمات، بما يجعل التنمية الاقتصادية جزءاً من بناء القدرة الشاملة للدولة. ويأتي تخصيص عام 2026 للذكاء الاصطناعي ليؤكد أن المملكة تتعامل مع التحول التقني باعتباره أحد ميادين المنافسة الدولية وبناء المستقبل، وليس مجرد ملف اقتصادي إضافي. 

وفي تقديري، فإن أهم ما يكشفه الخطاب هنا هو الانتقال من مفهوم التنمية باعتبارها هدفاً داخلياً إلى التنمية باعتبارها أحد عناصر القوة الوطنية. فالدولة القوية اقتصادياً وتقنياً، والقادرة على الاستثمار في إنسانها، تكون أكثر قدرة على حماية مصالحها والتعامل مع الأزمات والمتغيرات المحيطة بها.

وهذا المعنى يقود مباشرة إلى المحور الأمني والإقليمي في الخطاب. فالأحداث التي تشهدها المنطقة دفعت المملكة، كما يوضح الخطاب، إلى التأكيد على أن التخطيط للمستقبل لا يعني الجمود، وإنما القدرة على التكيف مع المتغيرات. ولذلك جاءت الإصلاحات الاقتصادية وتعزيز القدرات الوطنية في سياق أوسع يرتبط بقدرة المملكة على مواجهة الأزمات وحماية مكتسباتها ومصالحها. 

وفي الشأن الأمني، حمل الخطاب رسالة واضحة بشأن أمن المملكة وأمن الخليج. فقد أكد ولي العهد امتلاك المملكة قدرات بشرية وعسكرية عالية الكفاءة قادرة على التصدي للتهديدات وردعها، وربط الاعتداءات التي تعرضت لها دول مجلس التعاون بحقيقة أن الأمن والاستقرار الخليجيين كل لا يتجزأ. ومن هنا جاء التأكيد على مواصلة التعاون الاستراتيجي والتكامل الاقتصادي والعمل الخليجي المشترك. 

وفي الوقت نفسه، لم يضع الخطاب الأمن والدبلوماسية في موقع التعارض؛ بل جمع بين تعزيز القدرة على الردع وبين بذل الجهود لخفض التصعيد ودعم الحلول الدبلوماسية. وهذه الثنائية مهمة في فهم السياسة السعودية كما عرضها الخطاب: قوة تحمي الأمن، ودبلوماسية تعمل على منع تحول الأزمات إلى صراعات مفتوحة.

ويتسع هذا المنظور ليشمل أمن الطاقة والممرات البحرية. فالخطاب أشار إلى استمرار المملكة في توفير الإمدادات النفطية للأسواق الدولية رغم التصعيد، وإلى إنشاء تحالف بحري دفاعي متعدد الجنسيات لتعزيز الأمن البحري وحماية المصالح المشتركة في الممرات الدولية، مع الدعوة إلى ضمان التدفق الآمن للسلع الأساسية والمساعدات الإنسانية. وبذلك يربط الخطاب بين أمن المملكة وأمن الخليج وأمن الاقتصاد العالمي وحركة التجارة والطاقة. 

وفي هذا السياق المتكامل تأتي القضية الفلسطينية، لا كفقرة منفصلة عن رؤية الخطاب، وإنما باعتبارها جزءاً من التصور السعودي للأمن والسلام والاستقرار في المنطقة. فقد أدان ولي العهد استمرار الاعتداءات على الفلسطينيين في قطاع غزة والانتهاكات التي تطال المسجد الأقصى، ودعا المجتمع الدولي، ومجلس السلام خصوصاً، إلى الاضطلاع بدوره للوصول إلى حل سياسي دائم. ثم أكد أن التزام المملكة بحق الشعب الفلسطيني «موقف راسخ، وجهد مستمر لن يتوقف» حتى يحصل على حقوقه المشروعة، بما في ذلك إقامة دولته المستقلة وفق المرجعيات الدولية. 

وهذه الصياغة تكتسب أهميتها من موقعها في الخطاب كله؛ فالمملكة، وهي تتحدث عن الأمن الخليجي، وأمن الطاقة، والممرات الدولية، وخفض التصعيد، والتعاون الدولي، تؤكد في الوقت نفسه أن استقرار المنطقة لا ينفصل عن معالجة قضاياها المركزية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.

وهذا الموقف ليس جديداً أو طارئاً في السياسة السعودية؛ فقد أكدت المملكة مراراً أن الحل الذي يحقق الأمن والسلام والاستقرار في المنطقة يمر عبر حصول الشعب الفلسطيني على حقوقه المشروعة وإقامة دولته المستقلة على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، وفق قرارات الشرعية الدولية ومبادرة السلام العربية والمرجعيات الدولية. 

ومن هنا يمكن فهم البعد الأعمق للموقف الفلسطيني في الخطاب: السلام الذي تتحدث عنه المملكة ليس مجرد وقف مؤقت للصراع، وإنما سلام يقوم على معالجة جذوره السياسية، وتحقيق الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، وقيام دولته المستقلة. وهذا ما يجعل القضية الفلسطينية مرتبطة في الرؤية السعودية بمعادلة الأمن والاستقرار الإقليمي، وليس مجرد ملف إنساني أو سياسي منفصل.

وإلى جانب فلسطين، تناول الخطاب مواقف المملكة من أزمات اليمن والسودان، مؤكداً دعم الحكومة اليمنية وبسط سلطتها على كامل البلاد، والتصدي لاعتداءات الحوثيين، وكذلك دعم وحدة السودان واستقراره والمحافظة على مؤسساته وتجنيب شعبه مآسي الحرب والدمار. وهي مواقف تندرج بدورها في إطار رؤية أوسع تقوم على حماية الدولة الوطنية، ودعم الاستقرار، وتغليب الحلول التي تحول دون تفكك الدول واستمرار الصراعات. 

وبذلك، فإن الخطاب الملكي في افتتاح الدورة الثالثة لمجلس الشورى يرسم ملامح سياسة دولة تتحرك على أكثر من مستوى في وقت واحد: بناء القوة الاقتصادية والتقنية، والاستثمار في الإنسان، وتعزيز القدرة الدفاعية، وحماية أمن الخليج، وتأمين مصالح الاقتصاد العالمي، والعمل الدبلوماسي لخفض التصعيد، والمساهمة في معالجة أزمات المنطقة، مع التمسك بالثوابت السياسية تجاه القضايا العربية وفي مقدمتها فلسطين.

وهنا تكمن القيمة السياسية للخطاب: فهو لا يفصل بين الداخل والخارج، ولا بين التنمية والأمن، ولا بين القوة والدبلوماسية. فالمملكة، وفق ما جاء في الخطاب، تبني قدرتها الوطنية لكي تكون أكثر قدرة على حماية أمنها ومصالحها، وفي الوقت ذاته تستخدم وزنها السياسي والاقتصادي والدبلوماسي للمساهمة في صناعة الاستقرار الإقليمي والدولي.

وفي قلب هذه الرؤية تظل فلسطين حاضرة بوصفها قضية حقوق وعدالة وسلام، وباعتبار أن الوصول إلى أمن مستدام في الشرق الأوسط لا يكتمل بتجاوزها أو تأجيلها، وإنما بمعالجة أساس الصراع والوصول إلى حل سياسي عادل يضمن للشعب الفلسطيني حقوقه المشروعة وإقامة دولته المستقلة.

وهكذا يقدم خطاب خادم الحرمين الشريفين، الذي ألقاه ولي العهد أمام مجلس الشورى، قراءة متكاملة لمسار المملكة في المرحلة المقبلة: ثبات في الثوابت، وتطوير في أدوات القوة، ومرونة في التعامل مع المتغيرات، وتمسك بالأمن الوطني والخليجي، وحضور فاعل في قضايا المنطقة، مع استمرار الموقف السعودي الثابت من القضية الفلسطينية باعتبارها أحد مفاتيح الأمن والسلام والاستقرار في المنطقة.

جنوبيات
أخبار مماثلة