لا يمكن الدخول إلى أعمال إغشان آدامزIghshan Adams من باب النسيج وحده، لأن النسيج عنده ليس تقنية لتنظيم الخيوط بقدر ما هو طريقة لإعادة تعريف ما يمكن أن تكونه الصورة. فهو ينقل العمل التشكيلي من حالة السكون المفترض إلى حالة من التوتر الفيزيائي المستمر، فكل خيط مشدود بين نقطتين هو متجه قوة، وكل عقدة هي نقطة التقاء، وكل مساحة في لوحاته هي أقرب إلى خرائط لقوى غير مرئية من شد وجذب، اقتراب وابتعاد، كثافة وتخلخل، صعود وهبوط، توازن واختلال محسوب. إذ لايضع الحركة داخل العمل كما يضع خطاً يوحي بالسرعة، بل يجعل الحركة جزءاً من البنية التي يتكون منها العمل نفسه. فالحركة البصرية في أعماله هي لإلغاء الزمن. فتمثيل أثرالجسد في لحظة انتقاله من وضع إلى آخر، وصولا إلى التجريد والحركة البصرية والفن الحركي والتركيب المعاصرهو لخلق حركة تؤثر بصرياً بالمتلقي وتثير به الدهشة.
تتكون في لوحاته شبكة فنية شديدة التعقيد من الخيوط والحبال والخرز والعناصر المختلفة، فيصبح الجسد حاضراً حتى عندما يغيب. فالعين تشعر بوجوده من خلال انتظامات وانقطاعات ومسارات وكتل لونية توحي بأن شيئاً مر عبر المادة وترك فيها قانون حركته. إذ تكتسب الحركة قيمة فيزيائية حقيقية، لأن الحركة ليست مفهوماً شاعرياً فحسب، إنها تغير في الموضع بالنسبة إلى الزمن، وكل تغير يحتاج إلى قوة، وكل قوة تترك أثراً في المادة. وعندما تنتقل الحركة من الجسد إلى القماش، ومن القماش إلى الأثر، ثم من الأثر إلى النسيج، فإن العمل يمر بسلسلة من التحولات المادية تشبه تحويل الطاقة من صيغة إلى أخرى.وكأن لوحاته هي سجل لتحول حدث بالفعل. وهي مختبر بصري للعلاقة بين الطاقة والمادة والزمن. الخيط الذي يبدو رقيقاً هو في الحقيقة عنصر يتحمل الشد، والعقدة الصغيرة تغير اتجاه المسار، وتراكم العناصر يغير توزيع الكتلة، والفراغات تحدد سرعة العين وهي تتحرك داخل السطح. حتى اللون هو صبغة منفصلة عن البناء نتيجة لتجاور مواد تختلف في طبيعة انعكاسها وامتصاصها للضوء. القماش، الصوف، البلاستيك، الزجاج، المعدن، الخشب والحجر لا تستقبل الضوء بالطريقة نفسها، بعضها يمتص، بعضها يعكس، بعضها يكسره، وبعضها يشتت الأشعة. فهل اللون عند أدامز هو حدث بصري ناتج من علاقة المادة بالضوء، وليس مجرد اختيار زخرفي؟
حين تجتمع مواد عضوية مع مواد صناعية في لوحات أدامز، ومواد ناعمة مع أخرى صلبة، ومواد شفافة مع مواد معتمة، يتكون داخل العمل نوع من التغاير المادي الذي يمنحه حياة بصرية لا تستطيع مادة واحدة إنتاجها. الصوف، مثلا، يقدم بنية ليفية تحتفظ بالضوء بصورة مختلفة عن السطح الزجاجي، والمعدن يضيف إلى العمل كثافة ووزناً وإمكاناً للانعكاس، أما الخشب والحجر والصدف فتدخل بذاكرة جيولوجية وعضوية مختلفة جذرياً عن المواد الصناعية. إن اجتماع هذه العناصر لا ينتج فقط تنوعاً في الملمس، بل يجعل العين أمام تاريخ مختصر للمادة نفسها مثل مادة نشأت في الطبيعة، وأخرى صاغها الإنسان، وثالثة مرت بتحولات صناعية، ثم اجتمعت كلها داخل بنية واحدة. لذلك يمكن النظر إلى النسيج عند آدامز كعملية تركيب مادي بقدر ما هو تركيب بصري. فهل يؤلف بين خصائص المواد لكي ينتج سلوكاً بصرياً جديداً. وهل من عناصر مختلفة لا تفقد خصائصها تماماً حين تدخل في بنية واحدة، لكنها تغير طريقة ظهورها وتأثيرها بسبب علاقاتها الجديدة؟
أن الرؤية نفسها للوحات أدامز هي فعل حركي. إذا اقتربت تغيرت النسب، وإذا ابتعدت تغيرت العلاقات، وإذا تحركت حول العمل ظهرت لك طبقة كانت محجوبة قبل لحظة. بذلك لا يكون العمل مكتفياً بوجوده المادي، بل يحتاج إلى زمن المشاهدة كي يكتمل. هذه مسألة شديدة الأهمية في الفن المعاصر، لأن العمل لم يعد دائماً شيئاً يمكن اختزاله في صورة واحدة. الصورة الفوتوغرافية للعمل لا تستطيع أن تنقل تماماً تجربته المكانية، لأن العمل الأصلي يملك بعداً لا يظهر إلا من خلال الحركة الفعلية للمتلقي. وهنا تصبح الكتلة والفراغ والمسافة والمنظور عناصر تشكيلية مساوية للخط واللون. بل إن الفراغ بين المنسوجات قد يصبح أكثر تأثيراً من المنسوج نفسه، لأنه هو الذي يسمح للجسد بالدخول، وللعين بالعبور، وللعمل بأن يتغير مع كل خطوة. إن آدامز يجعل المشاهد جزءاً من المعادلة الفيزيائية للعمل بمعنى موقعك يغير ما تراه، وما تراه يعيد توجيه حركتك، وحركتك تنتج رؤية جديدة. فهل التجريد في أعمال أدامز لا ينطلق من الرغبة في إخفاء العالم، وإنما من محاولة العثور على قوانين أعمق من صورته المباشرة. المسار، التكرار، الانقطاع، الكثافة، التوازن، عدم التماثل، التداخل، التمدد والانكماش كلها مفردات يمكن أن نجدها في الطبيعة وفي الفيزياء وفي تكوينات الخلايا وفي خرائط الأنهار وفي تشعب الأعصاب وفي حركة الأجسام ؟ أم أنه يستخلص منها منطقها البنيوي؟