20 ربيع الثاني 1448

الموافق

السبت 03-10-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

مقالات مختارة مقالات مختارة النبطية الفوقا: عودةٌ لساعة واحدة ومصيرٌ معلّق
النبطية الفوقا: عودةٌ لساعة واحدة ومصيرٌ معلّق
رنا جوني
2026-10-03
النبطية الفوقا: عودةٌ لساعة واحدة ومصيرٌ معلّق

 

لم ينتظر أبناء النبطية الفوقا إذناً لدخول بلدتهم، التي لا تزال ترزح تحت نيران الاحتلال الإسرائيلي. اتخذوا قرارهم بالتوجّه إليها، بعدما طلبوا من رئيس الحكومة نواف سلام مرافقتهم للدخول معاً إلى بلدة تدمّرها إسرائيل بيتاً تلو آخر، ومسجداً تلو حسينية، ومستشفى وديراً. لكن سلام لم يرافقهم، ولم يمنحهم جواباً بشأن مصير البلدة، التي يمنع الجيش اللبناني دخولها نظراً إلى خطورة الوضع الأمني فيها.

 

بعفوية المشتاقين إلى تراب بلدتهم، ترجل الأهالي من سياراتهم، وساروا على الأقدام من دار المعلمين باتجاه الساحة، التي طمست الغارات الإسرائيلية الأخيرة ملامحها القديمة، مخلفةً دماراً واسعاً طال الأحياء المحيطة بها، حتى إن المقابر لم تسلم منه.

 

بين القبور المتضررة، تسير جنيفير محيدلي برفقة زوجها وولديها. قادهم الشوق إلى البلدة المهجورة، رغم تدمير منزلهم في حي الدير وصعوبة الوصول إليه. اختارت العائلة التوجّه إلى المقبرة «لنشمّ رائحة أحبّتنا»، تقول جنيفير باكيةً.

إنها المرة الأولى منذ أشهر التي تدخل فيها محيدلي البلدة، بعدما حالت الإجراءات الأمنية دون محاولاتها السابقة. وما أراده الأهالي من رئيس الحكومة هو مؤازرتهم والعمل على وقف الاعتداءات وتعزيز انتشار الجيش اللبناني، بما يمهّد لعودة آمنة.

 

منذ شهرين ونيف، تواجه النبطية الفوقا واقعاً قاسياً من التدمير، إذ طاولت الغارات أحياءً بأكملها، ولم تسلم منها الحقول وبساتين الزيتون. وبين ما تبقّى من كروم الزيتون والحمضيات، يتجوّل جمال غندور في بلدته، عائداً إلى منزله المدمّر بحثاً عن بعض الملابس الشتوية. بنى منزله، المواجه مباشرةً لمرتفع علي الطاهر، من تعب سنوات الغربة، لكنه غادره قبل ساعات من استهدافه.

Image-1790947837.Jpg

يرى غندور في دخول الأهالي «خطوة إيجابية، آمل أن تتبعها خطوات أخرى تحمل معها العودة الدائمة». ورغم حجم الدمار، يشعر براحة مختلفة في أرضه، قائلاً: «وكأن الحياة مختلفة هنا، للأرض رائحة أخرى».

يقف جمال قبالة زيتونة جدّه المعمّرة، التي تجاوز عمرها مئتي عام، وكانت تشكّل له مساحةً للراحة والقيلولة والهروب من ضغوط الحياة. لكن الغارات ألحقت بها أضراراً كبيرة، وأحرقت بستان الزيتون وقطّعت أشجاره.

 

استغل جمال الهدوء الذي رافق زيارة رئيس الحكومة لقطف الزيتون، في مشهد يتكرّر خلال الزيارات الرسمية، حين تخفت الغارات وأصوات المسيّرات، قبل أن تعود مع مغادرة الوفود. ويقول: «قصفوا الزيتون الذي ربيته لسنوات طويلة. الأرض بالنسبة إليّ هي الروح التي نتنفس منها». ويأمل أن يكون حضور الدولة جدياً ومقروناً بانسحاب الاحتلال وعودة الأهالي، لا أن تقتصر العودة على ساعة تنتهي بمغادرة المسؤولين.

 

لم تغيّر الزيارة واقع النبطية الفوقا، لكنها أعادت قضيتها إلى واجهة الأحداث، وسط مشاعر الحزن والشوق التي رافقت الأهالي وهم يعاينون الدمار الواسع في حي الضيعة والأحياء المجاورة. حضر كثيرون لاستعادة بعض الأغراض من منازلهم، مع اقتراب فصل الشتاء.

أمام منزلها المتضرر، وقفت زينب تقطف حبات الزيتون، قائلةً: «بدي أعمل زيتون مملّح من زيتون بيتي. الأرض حياتنا».

Image-1790947901.Jpg

تقول زينب إن خطورة الوضع والاستهدافات المفاجئة لا تزال تحول دون عودتهم، لكنها حضرت لاستعادة ما تبقّى من المؤونة وبعض الأغراض، على أمل الحصول على إذن من «الميكانيزم» لنقل أثاث منزلها قبل حلول الشتاء.

 

في المقابل، يرى رئيس بلدية النبطية الفوقا، زين غندور، أن الخطر الذي كان يمثّله موقع علي الطاهر انتفى بعد تفجيره، معتبراً أنه لم يعد هناك ما يبرّر منع الأهالي من العودة.

ويؤكد غندور أن النبطية الفوقا ليست محتلة، وأن عودة سكانها تشكّل خطوة أساسية نحو إعادة إعمارها، لافتاً إلى موقعها الاستراتيجي عند مفترق الطرق، باعتبارها بوابة أمان للنبطية والقرى المجاورة.

ويطالب بفرض سيادة الدولة على البلدة، وتمركز الجيش اللبناني عند آخر شبر محرّر في مواجهة الاحتلال، مشدداً على أن «كل شبر يُحرّر هو قوة». كما يعتبر أن المفاوضات لم تجلب سوى الدمار والتهجير، مؤكداً أن تحرير الأرض يكون على يد أصحابها والجيش اللبناني.

 

وتخشى البلدة أن يكون مصيرها مشابهاً لمصير المنصوري، فيما يأمل أبناؤها أن تشكّل هذه الزيارة بدايةً لمسار يعيد الحياة إليها وإلى كفرتبنيت والقرى المجاورة.

وفي هذا السياق، قال وزير الداخلية والبلديات أحمد الحجار، رداً على سؤال «المدن» بشأن احتمال زيارته النبطية الفوقا: «سأزورها، ومعها بنت جبيل وباقي القرى، ونحن نعمل من أجل هذه العودة والتحرير واستعادة الأرض».

Image-1790947971.Jpg

تقف النبطية الفوقا عند مفترق حاسم، بين عودةٍ مؤقتة فرضها شوق الأهالي، وواقع أمني لا يزال يقيّد حركتهم. فهل تتحوّل ساعة الدخول إلى بداية عودة دائمة، أم يبقى مصير البلدة معلّقاً على وقع الغارات الإسرائيلية؟

المدن
أخبار مماثلة