22 ربيع الثاني 1448

الموافق

الثلاثاء 06-10-2026

علم و خبر 26

علم و خبر 26

بأقلامهم بأقلامهم فلسطين لا تموت... والهوية لا تُلغى
فلسطين لا تموت... والهوية لا تُلغى
د. عبد الرحيم جاموس
2026-10-05
فلسطين لا تموت... والهوية لا تُلغى

 

من «النسيان الموعود» إلى استحقاق الدولة والكيانية الفلسطينية

في خمسينيات القرن الماضي، نُسب إلى وزير الخارجية الأمريكي آنذاك جون فوستر دالاس قولٌ مفاده إن الفلسطينيين كانوا ضحية وجودهم تحت أقدام «الفيلة»، وإن الكبار منهم سيموتون، وإن الأجيال الجديدة ستنسى. وبصرف النظر عن دقة نسبة العبارة إليه وسياقها التاريخي، فقد أصبحت هذه الفكرة رمزاً لنظرة سياسية سادت زمناً، مفادها أن الزمن كفيل بمحو فلسطين من الذاكرة، وتحويل شعبها إلى مجرد قضية لاجئين، ثم إلى قضية إنسانية، ثم إلى ذكرى تاريخية تذوب تدريجياً في خرائط المنطقة الجديدة.

لكن التاريخ أثبت عكس ذلك تماماً.

فبعد نكبة عام 1948، لم يختف الفلسطينيون، ولم تتحول فلسطين إلى صفحة مطوية. اقتُلع مئات الآلاف من أبناء الشعب الفلسطيني من مدنهم وقراهم، وتوزعوا بين الضفة الغربية وقطاع غزة والدول العربية وبلدان الشتات، لكن الاقتلاع من المكان لم يؤدِّ إلى اقتلاع الهوية. حمل الفلسطيني معه اسم قريته ومدينته ومفتاح بيته وذاكرته، وحافظ على انتمائه الوطني جيلاً بعد جيل.

وكانت إحدى أخطر محاولات التعامل مع القضية الفلسطينية تتمثل في اختزالها في مشكلة لاجئين تحتاج إلى إغاثة وتوطين، بدلاً من الاعتراف بها باعتبارها قضية شعب صاحب حق في تقرير مصيره واستعادة أرضه وبناء دولته. غير أن الفلسطينيين رفضوا هذا الاختزال عملياً وسياسياً، وأعادوا بناء شخصيتهم الوطنية من قلب المأساة.

وهنا تكمن أهمية التحول التاريخي الذي قاد إلى إنشاء منظمة التحرير الفلسطينية عام 1964. فقد مثل قيام المنظمة لحظة مفصلية في استعادة الشخصية السياسية الفلسطينية المستقلة، بعد أن كانت فلسطين كثيراً ما تُدار قضيتها من خلال حسابات الدول وموازين القوى الإقليمية والدولية. ومع تطور المنظمة، أصبحت الإطار الوطني الجامع للفلسطينيين في الوطن والشتات، ومجالاً لتجسيد إرادتهم السياسية المستقلة.

ولم يكن هذا التطور شأناً فلسطينياً داخلياً فقط. ففي قمة الرباط العربية عام 1974، اعترف القادة العرب بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلاً شرعياً ووحيداً للشعب الفلسطيني، وفي العام نفسه أقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار 3236، الذي أكد الحقوق غير القابلة للتصرف للشعب الفلسطيني، وفي مقدمتها حقه في تقرير المصير والاستقلال الوطني والسيادة والعودة. ثم منحت الجمعية العامة منظمة التحرير صفة مراقب لدى الأمم المتحدة بموجب القرار 3237.

وبذلك انتقلت القضية الفلسطينية من كونها مجرد مأساة شعب مهجر إلى قضية شعب له شخصية سياسية معترف بها، وحقوق وطنية وقانونية، وممثل وطني يحمل هذه الحقوق في المحافل العربية والدولية.

وهذه الحقيقة لا ينبغي النظر إليها باعتبارها تفصيلاً تاريخياً يمكن تجاوزه في أي ترتيبات سياسية مقبلة، لأن المسألة تتصل بجوهر الكيانية الفلسطينية ذاتها.

لقد تشكل النظام السياسي العربي الحديث في أعقاب الحرب العالمية الأولى ضمن منظومة الانتدابات والحدود التي أعادت رسم المشرق العربي، فتجزأ المجال العربي إلى كيانات سياسية متعددة. ولم تكن هذه التجزئة وحدها سبب المأساة الفلسطينية، لكنها أسهمت في إضعاف المجال السياسي العربي المشترك، بينما سارت فلسطين في مسار مختلف؛ إذ لم تُمنح فرصة الاستقلال الوطني، بل أصبحت أرضها ميداناً لمشروع استيطاني صهيوني مدعوم بقوى دولية كبرى.

وفي مراحل لاحقة، تحولت القضية الفلسطينية أحياناً إلى ورقة في صراعات إقليمية، وتداخلت مصالح الدول مع المصالح الوطنية الفلسطينية. ولذلك كان بناء القرار الوطني الفلسطيني المستقل ضرورة تاريخية، لا ترفاً سياسياً. فالقضية التي لا يملك شعبها تمثيلها وقرارها تصبح عرضة لأن يتحدث الآخرون باسمها، وأن تُرسم حدود مصالحها وفقاً لمصالح غيرها.

ومن هنا أيضاً يجب فهم منظمة التحرير الفلسطينية. فهي ليست حزباً سياسياً عادياً، ولا فصيلاً من بين الفصائل، ولا مؤسسة قابلة للاستبدال كلما تغيرت موازين القوى الداخلية. إنها الإطار السياسي والتمثيلي الذي نشأ تاريخياً للتعبير عن وحدة الشعب الفلسطيني في الوطن والشتات.

وهذا لا يعني تجميد المنظمة أو تحويلها إلى مؤسسة مغلقة. على العكس، فإن حماية دورها تقتضي إعادة بنائها وتجديد مؤسساتها وتوسيع قاعدة تمثيلها وإعادة الاعتبار للديمقراطية داخلها، وإشراك مختلف مكونات الشعب الفلسطيني وقواه السياسية والاجتماعية، وفق قواعد وطنية وديمقراطية واضحة. فالتمثيل الوطني لا يُحمى بإقصاء أحد، وإنما بتوسيع المشاركة تحت سقف وطني جامع.

ومن الضروري هنا التمييز بين التعددية السياسية المشروعة وبين تعدد المرجعيات الوطنية. من حق كل فصيل أو تيار فلسطيني أن تكون له رؤيته وبرنامجه وأدواته السياسية، لكن تحويل الخلاف السياسي إلى أطر تمثيلية موازية لمنظمة التحرير يهدد جوهر الشخصية السياسية الفلسطينية. ولا ينبغي أن يُقاس الأمر بالشعارات التي ترفعها أي جهة أو بمرجعيتها الفكرية، وإنما بالنتيجة السياسية التي يفضي إليها مسارها: هل يعزز وحدة التمثيل الفلسطيني أم يضعفها؟

فكل مسار يؤدي موضوعياً إلى إضعاف التمثيل الوطني الواحد، بصرف النظر عن دوافعه وشعاراته، يعيد القضية إلى المربع الذي ناضل الفلسطينيون طويلاً للخروج منه: مربع أن يصبح مستقبل فلسطين موضوعاً تتقرر عناصره من خارج الإرادة الوطنية الفلسطينية.

أما اتفاق أوسلو عام 1993، فقد أدخل القضية في مرحلة جديدة، وأفضى إلى اعتراف متبادل بين منظمة التحرير الفلسطينية و«إسرائيل»، وإلى إنشاء السلطة الوطنية الفلسطينية باعتبارها سلطة حكم ذاتي انتقالي. وهنا ينبغي عدم الخلط بين منظمة التحرير والسلطة الوطنية الفلسطينية: المنظمة هي الإطار الوطني التمثيلي للشعب الفلسطيني في الوطن والشتات، بينما السلطة نشأت بوصفها ترتيباًَ انتقالياً لإدارة أجزاء من الأرض الفلسطينية المحتلة في انتظار تسوية قضايا الحل النهائي، ومنها القدس واللاجئون والمستوطنات والحدود والأمن.

وقد أثبتت التجربة اللاحقة أن إبقاء المرحلة الانتقالية بلا نهاية، مع استمرار الاحتلال والاستيطان وغياب التسوية النهائية، أدى إلى تشوه العلاقة بين السلطة والمنظمة، وأوجد واقعاً سياسياً يحتاج إلى إعادة بناء على أساس واضح: منظمة تحرير قوية ومتجددة، وسلطة وطنية موحدة، ودولة فلسطينية ذات سيادة.

ثم جاءت الانقسام الفلسطيني منذ عام 2007 ليضيف إلى الأزمة الوطنية بعداً أخطر، حين انقسم النظام السياسي والجغرافي بين الضفة الغربية وقطاع غزة. ولم يعد الانقسام مجرد خلاف بين فصيلين، بل أصبح انقساماً في المؤسسات والقرار والسلطة والجغرافيا، وهو ما أضعف القدرة الفلسطينية على إدارة الصراع الوطني وعلى مخاطبة العالم بوصف الفلسطينيين شعباً واحداً له قيادة وتمثيل ونظام سياسي واحد.

ولهذا فإن إنهاء الانقسام لا ينبغي أن يكون مجرد تسوية مؤقتة بين القوى والفصائل، ولا توزيعاً جديداً للسلطة، وإنما عملية لإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني كله على قاعدة وحدة الأرض والشعب والقرار والتمثيل.

وقد واصلت فلسطين، في المقابل، تراكم حضورها القانوني والدبلوماسي على المستوى الدولي. وفي عام 2012 منحت الجمعية العامة للأمم المتحدة فلسطين صفة دولة مراقب غير عضو، وهو تطور مهم في المسار القانوني والسياسي الفلسطيني، وإن كان لا يعني أن الاحتلال انتهى أو أن السيادة أصبحت مكتملة على الأرض. لكنه يؤكد أن الشخصية السياسية الفلسطينية أصبحت حقيقة دولية لا يمكن محوها بقرار عسكري أو سياسي.

كما بقي حق اللاجئين جزءاً أصيلاً من القضية الفلسطينية. فالقرار 194 الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في 11 ديسمبر 1948، ولا سيما الفقرة 11 منه، وضع إطاراً دولياً لحق اللاجئين الراغبين في العودة إلى ديارهم والعيش بسلام مع جيرانهم، إلى جانب التعويض لمن لا يختار العودة. ومن ثم فإن معالجة قضية اللاجئين لا يمكن أن تتم عبر محاولات إسقاطها من جدول القضية أو فرض حلول أحادية عليها، بل من خلال حل عادل يستند إلى المرجعيات الدولية ذات الصلة، وفي مقدمتها القرار 194.

أما فلسطين نفسها، فلم تعد مجرد اسم في الذاكرة. فهناك ملايين الفلسطينيين يعيشون على أرض فلسطين التاريخية، وملايين أخرى موزعون في الشتات. وبين هؤلاء جميعاً، على اختلاف أماكن وجودهم وأجيالهم، ما زالت الهوية الفلسطينية حاضرة. وهذا الواقع الديموغرافي والاجتماعي والثقافي يؤكد أن محاولة إلغاء الشعب الفلسطيني من المعادلة لم تفشل سياسياً فحسب، بل فشلت تاريخياً أيضاً.

ومن هنا، فإن الحديث عن «فلسطين القادمة» لا ينبغي أن يكون شعاراً عاطفياً أو وعداً زمنياً لا يملك أحد تحديده. فلسطين القادمة هي استحقاق سياسي وقانوني يتوقف إنجازه على موازين القوى، وعلى قدرة الفلسطينيين على إعادة بناء وحدتهم ومؤسساتهم، وعلى قدرة المجتمع الدولي على تحويل الاعتراف بالحقوق الفلسطينية إلى إجراءات عملية تنهي الاحتلال وتمكن الشعب الفلسطيني من ممارسة حقه في تقرير المصير.

وفي هذا السياق، تكتسب الحوارات الفلسطينية الجارية، ومنها الحوار الذي تستضيفه القاهرة، أهمية تتجاوز موضوع التفاهم بين الفصائل. فالمطلوب ألا يكون الحوار مجرد اتفاق جديد لإدارة الانقسام، وإنما مدخلاً لإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني، وتجديد الشرعيات من خلال الانتخابات، وإعادة تفعيل مؤسسات منظمة التحرير والمجلس الوطني، وبناء مجلس تشريعي يعكس الإرادة الشعبية، وصولاً إلى استعادة وحدة النظام السياسي الفلسطيني.

والانتخابات، في هذا السياق، ليست غاية في ذاتها؛ إنها وسيلة لتجديد الشرعية وإعادة بناء الثقة بين الشعب ومؤسساته. والأهم أن تكون جزءاً من رؤية متكاملة تشمل انتخابات المجلس التشريعي والمجلس الوطني ورئاسة السلطة الوطنية، بما يفتح الطريق أمام وحدة سياسية حقيقية تشمل غزة والضفة الغربية والقدس، وتعيد الاعتبار إلى منظمة التحرير بوصفها الإطار الوطني الجامع.

وعلى المشاركين في الحوار أن يدركوا أن أي صيغة تضعف منظمة التحرير أو تستبدل التمثيل الوطني الجامع بأطر موازية، تحت أي ذريعة أو مسمى، لا تعالج أزمة التمثيل وإنما تعمقها. كما أن المطلوب ليس إلغاء أي مكوّن سياسي فلسطيني، بل إدماج الجميع في النظام الوطني على أساس الشراكة والانتخاب واحترام القرار الوطني الواحد.

وهنا تقع مسؤولية عربية ودولية أيضاً. فالدول العربية مطالبة بدعم القرار الفلسطيني المستقل، لا بإعادة إنتاج الوصاية عليه، والمجتمع الدولي مطالب بالانتقال من الاعتراف النظري بحقوق الشعب الفلسطيني إلى ممارسة ضغط فعلي لإنهاء الاحتلال وتمكين الفلسطينيين من إقامة دولتهم المستقلة على الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، وعاصمتها القدس، مع إيجاد حل عادل لقضية اللاجئين وفق المرجعيات الدولية، وفي مقدمتها القرار 194.

لقد أثبت الفلسطينيون، خلال ما يقارب قرناً من الصراع، أن الهوية الوطنية لا تُمحى بالقوة، وأن الشعب الذي يفقد أرضه مؤقتاً لا يفقد بالضرورة حقه فيها، وأن الذاكرة الوطنية يمكن أن تتحول، حين تتوافر الإرادة والمؤسسات، إلى شخصية سياسية وقانونية معترف بها.

لقد قيل إن الزمن سيقوم بالمهمة، وإن الكبار سيرحلون، وإن الصغار سينسون. لكن الذي حدث كان العكس: رحل جيل، وجاء جيل، ثم جاء ثالث ورابع، وبقيت فلسطين حاضرة في الوعي والذاكرة والسياسة والقانون والدبلوماسية، وبقي شعبها متمسكاً بحقه في تقرير مصيره وبناء دولته.

إن التحدي الفلسطيني اليوم ليس إثبات وجود الشعب الفلسطيني؛ فهذا أصبح حقيقة لا يمكن إنكارها. التحدي هو حماية الشخصية السياسية التي أعاد الفلسطينيون بناءها، وتطوير مؤسساتها، وتجديد شرعيتها، وإنهاء الانقسام الذي يضعفها، وتحويل الاعتراف الدولي المتراكم إلى واقع سيادي على الأرض.

ففلسطين ليست قضية قابلة للذوبان في الزمن، ولا شعباً ينتظر من الآخرين أن يمنحوه هويته. فلسطين شعب وأرض وتاريخ وهوية وحقوق وشخصية سياسية وقانونية. وما تحتاجه المرحلة ليس إعادة اكتشاف فلسطين، وإنما استكمال الطريق الذي بدأ باستعادة الشخصية الوطنية الفلسطينية، وتواصل بتأسيس منظمة التحرير، وتعزز بالاعتراف العربي والدولي بحقوق الشعب الفلسطيني، وصولاً إلى الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس.

لقد أثبت التاريخ أن فلسطين لم تغب حين أرادوا لها أن تغيب، وأن الفلسطيني لم ينسَ حين راهنوا على النسيان.

والدرس الأهم الذي ينبغي أن يبقى حاضراً هو أن الحفاظ على الهوية لا يكون بالشعارات وحدها، وإنما بتحويلها إلى مؤسسات، وتحويل التمثيل إلى شرعية، وتحويل الشرعية إلى دولة، وتحويل الدولة إلى واقع يحمي الإنسان الفلسطيني وحقوقه وكرامته.

فلسطين لا تموت، لأن شعبها لم يمت؛ والكيانية الفلسطينية لا تُلغى، لأنها أصبحت حقيقة صنعها الفلسطينيون بنضالهم، وثبّتها التاريخ، وأقرّ بها القانون الدولي.

د. عبد الرحيم جاموس
5 أكتوبر 2026

أخبار مماثلة