26 ربيع الثاني 1448

الموافق

الجمعة 09-10-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

ثقافة وفن ومنوعات ثقافة نكهات بيروت.. حين تُصبح المائدةُ لغةَ الثقافة
نكهات بيروت.. حين تُصبح المائدةُ لغةَ الثقافة
د. بسّام بركة
2026-10-09
نكهات بيروت.. حين تُصبح المائدةُ لغةَ الثقافة

منذ أكثر من ستّة عقود صَدر كتابُ «المفكّرة الريفيّة» لأمين نخلة، الذي استعادَ فيه الحياةَ القرويّة بكلّ ما تزخر به من تفاصيل لا تَعرفها المدينة: لذائذ المطاعم الصغيرة، ومخبوزات تنّور الضيعة، ومحاصيل الحقول، وعادات الناس في الطعام والعيش. وممّا جاء فيه قوله: «وفي العلوم، اليوم، عِلمٌ اسمه: عِلم القمح - وهو، في ما أعرف، أجدى العلوم الإنسانيّة! فأسأل لله أن يَجيء يومٌ يُقال فيه: فلانٌ علّامة بالقمح، فهّامة بالسُّنبل...».

يبدو أنّ نادر سراج، ابن بيروت العتيقة والباحث اللّساني المعروف، قد لبّى، بطريقته، نداءَ أمين نخلة، فانبرى يَدرس القمحَ والطحين والخبز وسائر الأطعمة، ولكن في المدينة هذه المرّة. فهو، كما عوّدنا في مؤلّفاته السابقة، يَنطلق من مناهج اللّسانيّات التطبيقيّة، لا لدراسة العربيّة الفصحى كما ينبغي أن تُقال، بل لتحليل العربيّة كما يتداولها الناس بالفعل في حياتهم اليوميّة. وهؤلاء الناس هُم، في هذا الكتاب، أهل بيروت.

يَندرج كتابُ «نكهة بيروت: موائد وسرديّات»، الصادر حديثاً عن «دار المؤلِّف» في سياق المشروع العلميّ الذي شَغل مؤلِّفَه على امتداد سنوات، والقائم على دراسة الموضوعات اليوميّة والهامشيّة، التي قلّما استوقفت الباحثين، كلّ ذلك للكشف عمّا تختزنه لغةُ الناس من أنساقٍ ثقافيّة واجتماعيّة. فقد سَبق لسراج أن دَرس خطابات الرشوة، والشعارات السياسيّة، والمَحكيّات الشعبيّة، وغيرها من مظاهر الخطاب اليومي.

في كتابه الجديد هذا، يغوص سراج في بلاغة الحديث عن الموائد، وألوان الطعام، وطقوس الولائم، واختلاط اللّحوم بالخضار، والأرزّ، والبرغل، وسواها. وإذا بالقارئ أمام باحثٍ يَتسلّح بمنهجٍ لسانيٍّ حديث، ورؤيةٍ جاحظيّة في آن، ليُنزِلَ اللّغة من برجها العاجي، ويكشف ما تختزنه كلماتها من معانٍ ثقافيّة عميقة. فهو يلتقط العربيّة المُتداوَلة من أفواه الناس، ويَجمع مفرداتِها المتناثرة، ثمّ يُعيد تنظيمَها في شبكاتٍ دلاليّة متماسكة، تؤلِّف بين الألفاظ والمفاهيم. ويَنطلق في ذلك من إيمانه بأنّ كلّ ما يَتداوله الناس، فصيحاً كان أم عاميّاً، هو جزء من الثروة اللّغويّة العربيّة، وجدير بالدراسة والتحليل.

ثقافة مزدانة بلبوسٍ بلاغيّ

لكن لماذا بيروت بالتحديد؟ ولماذا الطعام ونكهاته؟ يجيب مؤلِّف هذا الكتاب بأنّ بيروت ليست مجرّد مدينته التي وُلد فيها وترعرع، بل هي، كما يقول: «مدينة العالَم، تلك الحاضرة العربيّة الغافية على كتفِ البحر المتوسّط، حيث الوصال مع أوروبا وغيرها، تَنفسح برحابةٍ على البحر، وتنفتح على الداخل العربيّ، لتصوغَ البيئةَ الرائدة في الحضارة والثقافة والإعلام، وفي الغذاء ونكهاته» (ص22).

أمّا الطعام، فلأنّه ليس مجرّد حاجةٍ بيولوجيّة، بل هو، في نَظره، «ثقافة مزدانة بلبوسٍ بلاغي، حيث يتواشج طبقُ الطعام بالهويّة الوطنيّة، وطقسُ المؤاكلة بحسِّ الانتماء إلى الجماعة اللّغويّة» (ص24).

والواقع أنّ الحلقةَ التي تَصل بين المكان والطعام هي التسمية. فلولا اللّغة لَما أَمكن التمييز بين «الكفتة» و»المغربيّة»، ولا بين «المجدّرة» و»المحاشي». فالإنسان لا يَعرف العالَمَ إلّا عَبر ما يُسمّيه فيه، وكلّ لغة تُقسِّم الواقع وفقَ منظومتها الخاصّة بها من الكلمات والتصنيفات. لذلك، لا يَكتفي سراج بتحليل البنية الداخليّة للخطاب، بل يتجاوزها إلى ما تَكشف عنه اللّغةُ وما ترمزُ إليه من بنياتِ العيش، وأنماطِ العادات، وتشكّلاتِ النَّظرِ إلى العالَم.

كزوجةِ ذي اللّحيّة الزرقاء

يَنطلق نادر سراج إذن من الكلمات ليغوصَ في الثقافة والقيَم الحضاريّة. فبَين يدَيْه يتحوّل طبقُ الطعام إلى صفحةٍ قابلة للقراءة، ومذاقُ الأكلة إلى جملةٍ ذات معنى، واسمُ الطبق الأجنبيّ إلى حوارٍ طويل بين الشرق والغرب. فهو يُذكّرنا، مثلاً، بأنّ «السَّلَطة» ذات أصلٍ إيطالي، و»الكراميل» فرنسيّة، و»الدليفري» بريطانيّة وأميركيّة، فضلاً عن أسماءٍ كثيرة جاءت من الفارسيّة أو التركيّة العثمانيّة. غَير أنّ بيروت لم تَستقبل هذه المأكولات وألفاظها استقبالاً مُحايِداً، بل أَعادت صَوْغَها، وأَضفت عليها طابعها المحلّي، حتّى غَدت جزءاً من هويّة المطبخ اللّبناني.

وكزوجةِ «ذي اللّحية الزرقاء» التي أُعطاها زوجها مفاتيح القصر كلّها، يبدو سراج وكأنّه يَمتلك مفاتيح متعدّدة يَفتح بها أقفالَ الخطاب البيروتيّ، بل العربيّ بعامّة، ليَكشفَ ما تَستبطنه الكلمات من رموز، ومعانٍ، وأبعادٍ ثقافيّة واجتماعيّة. إذ إنّه يبدأ من أكثر المفردات شيوعاً وبساطة، ثمّ يُشيِّد منها بناءً مُتماسكاً من الأفكار والتحليلات. وهو يوضِح مَنهجَه بقوله إنّه يقوم «بتحليل الكلام والطعام وفقَ نهجِ التحليل اللّساني الاجتماعي، لأنّ هذا النَّهجَ يَضمّ تحت جناحَيْه مناهجَ تحليلِ الخطابات اليوميّة، ويَتقاطع في آنٍ مع اللّغوي والعمراني والثقافي والأنثروبولوجي» (ص91).

وكعادةِ اللّسانيّين، يَعتمد المؤلِّفُ التفكيرَ الثنائي في مُقارَبَةِ أطعمة بيروت ونكهاتها. فيُلاحِظ أنّ مكوّنات المائدة الجماعيّة تقوم على ثنائيّاتٍ متكرّرة: رز ولبن، لحم وعجين، زعتر وزيت، كوسى بلبن، حمّص وفول... ومن هذه الثنائيّات يَنتقل إلى الأمثال الشعبيّة التي كَرّستها الذاكرةُ الجماعيّة، مثل: «خبز وزيت عمارة البيت»، و»العزّ للرزّ، والبرغل شَنَق حاله»، و»ناس بسمنة وناس بزيت». لكن... يحقّ لنا أن نَطرح السؤال الآتي: أين هي طرابلس من كلّ ما يجري في هذا الكتاب؟ عِلماً أنّها المدينة الثانية من حيث الحجْم والأهميّة في لبنان، والمعروفة بأطباقها الشهيّة وحلوياتها الفريدة؟ الواقع أنّ المؤلِّف نادر سراج يُخَصِّص لها بضعَ صفحات، يَذكر فيها أطباقَها وأمثلتَها وتقسيمَ مواعيد الطعام فيها. لكنّه يبدأ هذه الصفحات - من موقعه كباحثٍ لساني - بالعودة إلى أوّل عالِم صوتيّات في لبنان، هو حسن الحجّة، الذي وَضع كتاباً بالفرنسيّة (في العام 1954) عن «مَحكيّة طرابلس العربيّة»، وفيه يُخصِّص مُلحقاً عن «أكْل الطرابلسيّة». بذلك، نَكتشف أنّ الكلمات التركيّة كثيرة في المطبخ الطرابلسي، مثل «الططلي» (المربّى)، و»الششْ برك» (عجين مَحشي باللّحم المفروم)، وغير ذلك. كما نَكتشف، من بين أطعمةٍ أخرى، أنّ «النواشف» عند أهل طرابلس هي «المآكل التي لا تَحتاج إلى إعداد، ولا تُطبَخ بالماء، إذ إنّها ناشفة، ولهذا سُمّيت بهذا الاسم» (ص185).

ولا يقتصر كتاب سراج على توثيق الأطعمة، من الموادّ الأوليّة كاللّحم والباذنجان والحمّص والأرزّ، إلى الأطباق المركَّبة كالبابا غنّوج والكبّة والكبْسة. بل يَتناول أيضاً أدوات الطبخ، من التنّور والصاج إلى الصينيّة والطنجرة والفُرن. كما يُوثِّق أسماءَ المِهن المُرتبطة بالأطعمة، مثل الكبابجي، والفاكهاني، والنّادل، والقصّاب، فضلاً عن المناسبات الاجتماعيّة التي يُحضَّر فيها الطعام: الأعراس، والعزاء، والإفطارات الرمضانيّة، وحفلات الشاي، وغيرها.

وعندما يَنتقل المؤلِّف إلى آداب المائدة، يَتجاوز الإطارَ اللّبناني ليُقارِنَ بين عادات المُدن العربيّة المُختلفة. ففي بيروت، ثمّة الاستقبال، والعزائم الموسميّة، والأراكيل العجميّة، والبِزْر المحمَّص، والمخلوطة، والحلويات. وفي دمشق وحلب تتزيَّن سهراتُ الشتاء بالكستناء المشويّة، والقمح المسلوق، ونقيع الزبيب، والثمار المُجفَّفة. أمّا في القاهرة والإسكندريّة، فتتصدّر المائدةَ أطباقُ الفول المدمّس والطعميّة، إلى جانب اللّحوم المشويّة والفواكه الطازجة. وفي الخليج العربيّ، ولاسيّما في الإمارات، تَبرز الجفنة، وهي صحنٌ خشبيّ كبير، وتكون «مُكلَّلة بالأرزّ الذي تعلوه ذبيحة مشويّة أو مطبوخة من اللّحم» (ص266). إلّا أنّ من أصول تقديم الذبيحة في الإمارات أن تُقدَّم كاملةً ويكون الرأس موجوداً، بما يُمثّله ذلك كلّه من دلالة على الكَرم والضيافة.

حين يُصبح الطعامُ نصّاً ثقافيّاً

أخيراً، ليس نادر سراج أوّل من كَتب عن الطعام في الثقافة العربيّة، ولن يكون الأخير. فالتراث العربيّ يَزخر بالمؤلَّفات التي تناولتِ المطبخَ وآداب المائدة. ويأتي في المقدّمة «ابن سيّار الورّاق» (القرن التاسع الميلادي)، صاحب «كتاب الطبيخ»، الذي يُعَدّ أقدم كُتب الطبخ العربيّة المعروفة، ويَضمّ مئات الوصفات، إلى جانب أخبار الطعام وآداب المائدة والأشعار المتعلّقة بالأكل والشراب. ثمّ يأتي محمّد بن الحسن البغدادي، الذي أَلَّف هو الآخر كتاباً يحمل العنوان نفسه، وصوَّر فيه مطبخَ بغداد في القرن الثالث عشر الميلادي، ودوَّن وصفاتٍ دقيقة للحلويات، والخبز، واللّحوم، والمشروبات.

أمّا الجاحظ، فقد جَعَلَ الطعامَ حاضراً في غَير مَوضعٍ من مؤلَّفاته، ولاسيّما في «البخلاء»، حيث تَناولَ، بروحه الساخرة ونظرته الاجتماعيّة الثّاقبة، عاداتِ الأكل والضيافة ومكانةَ الطعام في المجتمع. وهذا غيْض من فيْض، إذ يَمتدّ هذا اللَّون من التأليف عَبر قرونٍ طويلة، من المشرق إلى المغرب.

فأين يَقع كتابُ نادر سراج من ضمن هذا التراث؟ نستطيع القول إنّ جِدّة هذا الكتاب تكمن في ثلاثة أمور رئيسة: المكان، الموضوع، المَنهج.

تكمن الجِدّة في المكان والزمان: بيروت، وكذلك المُدن اللّبنانيّة والبلدان العربيّة، وفي القرن الحادي والعشرين، أي في الحياة التي نعيشها اليوم؛ فهذا الكِتاب يَنقل دراسةَ الطعام من فضاء التاريخ القديم إلى بيروت المُعاصِرة، بوصفها مدينةً عربيّة منفتحة تتقاطع فيها الهويّات والثقافات، فتغدو المائدةُ مرآةً لتحوّلاتها الاجتماعيّة واللّغويّة. وأمّا الموضوع، فهو الطعام في إطار لغته وعباراته المسكوكة، والطعام في سياقاته المُختلفة: المكوّنات، والأدوات، والمِهن، والمناسبات، والطقوس... إلخ. في حين أنّ المنهج يتمثّل في الجمْعِ بين حسّ التراث العربيّ وحداثة اللّسانيّات الغربيّة. فسراج لا يَبتعد كثيراً عن الجاحظ في شَغَفِهِ بالكلمات وتتبُّع دلالاتِها، لكنّه يُخضعها لأدوات التحليل اللّساني والاجتماعي الحديثة، فيَقرأ الألفاظ من ضمن شبكاتها الدلاليّة، ويَكشف ما تَختزنه من التصوّرات الثقافيّة ومن أنماط المعيشة الاجتماعيّة. وهكذا، لا يعود الطعام مادّةً للأكل وحده، ولا ألواناً للوصف فقط، بل يُصبح مع نادر سراج نصّاً ثقافيّاً، وتغدو المائدةُ كتاباً مفتوحاً تُقرأ فيه اللّغة، من أجل أن نَقرأَ - عَبر اللّغة - هويّةَ المجتمع ومَسارَ تاريخِه.

*باحث ومُترجم من لبنان

يُنشر هذا المقال بالتزامن مع دورية «أفق» الإلكترونيّة الصادرة عن مؤسّسة الفكر العربيّ

أخبار مماثلة