مُحقٌ الإعلامي تاكر كارلسون في ما قاله أمام الرئيس ترامب وكتبت عنه الأسبوع الماضي في "العربي الجديد"، "إسرائيل تريد من وراء الحرب على إيران، تقليص نفوذ مجلس التعاون الخليجي وقوته. دول الخليج الست التي تنافس إسرائيل باتت تتحول الى ما يشبه سويسرا الشرق الأوسط وهذا يضرّ بالمصالح الإسرائيلية"! لماذا؟ لأن إسرائيل تريد أن تبقى الدولة المهيمنة الممسكة بكل مفاصل القرار في المنطقة. دول الخليج غنية. تتطور. حققت قفزات نوعية مهمة على مستوى البنى التحتية من شبكة طرقات ومواصلات ومطارات ومرافئ وفيها مراكز مالية عالمية واستقطبت أكبر الشركات الاستثمارية العالمية وتحولت الى مركز جذب لاستثمارات هائلة. وتتنافس عليه دول كبرى نظراً للمحفظة المالية التي يملكها. لكن "سويسرا الشرق" هي العلامة اللبنانية الفارقة، ولهذا السبب أتناول الموضوع اليوم.
لقد كان واضحاً منذ اندلاع الحرب في لبنان وعليه، أن المسألة ليست محصورة بالوجود الفلسطيني على أرضه رغم أهمية هذا العامل. إسرائيل كانت تخطط لمشروع الدولة الكبرى، القوية، وأساسه تحويل دول المنطقة الى محميات من خلال تقويضها وتفكيك وحدتها وتقسيمها. كتبنا الكثير عن هذا الموضوع. لبنان بتكوينه وتنوّعه، بطبيعة نظامه السياسي، الدولة الأميز في المنطقة التي تعتبر نقيض المشروع الإسرائيلي. لبنان الحريات. الديموقراطية. التنوّع. المركز المالي المهم المستقطب أموال المستثمرين الكبار. المرفأ. المطار. السياحة. الطبيعة. المرونة في التعامل. الفن. الموسيقى. المواهب. الكفاءات. الإبداع. المطبعة. الجامعات العريقة. صلة الوصل بين الشرق والغرب. الانفتاح على الثقافات والحضارات والعالم كله خصوصاً الغرب. الانتشار اللبناني في عدد كبير من دول العالم. الدور اللبناني في هذا المجال مهم. مفيد. مؤثر. فاعل. الحضور اللبناني في كل مكان. الشخصية اللبنانية في كل مكان. أليس هذا كافياً للقلق من هذا البلد الصغير والدور الكبير والحضور الكبير؟
كان الحضور العربي في لبنان استثنائياًَ، قوياً في المجالات التي أشرت اليها. وكان تنافس على البلد وموقعه في لعبة الأنظمة العربية وتنافسها. كان لبنان منبراً وساحةً وميداناً لبعضها بموافقة أهله للأسف. ولو أديرت شؤونه بعقل الدولة، وفكر الدولة، وحسن التقدير والتدبير، وإدراك أهمية التوازن فيه، ونعمة التنوّع، والميزات الاستثنائية، والطاقات الاستثنائية التي يملكها لما ذهبت الأمور الى ما ذهبت إليه. ولو أدرك العرب أن ما يستهدف لبنان سيصل اليهم لما وصلوا الى ما هم عليه. فالمشروع الاسرائيلي واحد. وعندما خرج شعار "الأرض مقابل السلام" توهّم كثيرون أنه سيكون أساس المرحلة المقبلة في الشرق الأوسط كله. وكانوا خاطئين. لأن اسرائيل كانت تخطط لهندسة هذه المنطقة على قياسها ووفق مصالحها. تابعت على مدى سنوات طويلة هذا الأمر وكتبت عنه في سياق خط بياني واضح مواده الأساسية ما تعلنه اسرائيل وتتفاهم عليه مع أميركا.
"لبنان سويسرا الشرق"، البلد الصغير والدور الكبير. كتبت عنه كتاباً بعد انطلاق مفاوضات "الأرض مقابل السلام" والأوهام التي بنيت عليه، بعنوان: "لبنان: الثمن الكبير للدور الصغير". جاء فيه: "في الإشارة الى قرار وقف ضخ النفط الى أميركا بعد حرب الـ 73 الذي اتخذه الراحل الكبير الملك فيصل بن عبد العزيز والأزمة التي نتجت عنه في أميركا والقلق في العالم: ... أميركا تريد أن تحصل على النفط حتى نهاية النفط. عقدت صفقات مع دول لتغذية مخزونها الاستراتيجي بأسعار متدنية. ومن أجل المحافظة على هذه الغنيمة لا بد من شرق أوسط جديد لا عرب فيه قادرون على تحديد علاقة النفط بالآخرين تسويقاً وتسعيراً وإنتاجاً. إن النفط سلعة عالمية تدار عالمياً...". هذا هو الموقف الأميركي الذي عبّر عنه عدد من المسؤولين الأميركيين. وقال كيسنجر الذي نظم مؤتمراً للنفط لاحقاً: "النفط ليس ملك القابعين عليه، هو ملك الشعوب والحضارة. وسوف نستعيد كل دولار قبضوه ودفعته الشعوب المتقدمة". (ص 139 – 140) وفي خلاصة تلك الدراسة ذكرت: "... إن لبنان المرافئ سيتأثر كثيراُ فاسرائيل تريد أن تصبح مرافئها روتردام الشرق الأوسط" حيث ستكون مركز نقل النفط الى أوروبا والعالم بعد أن ينقل اليها من الدول العربية المنتجة. كذلك فإن حركة استيراد وتصدير البضائع التي كانت عنصراً من عناصر الاقتصاد اللبناني قبل رفع المقاطعة مع إسرائيل وإلغاء حالة الحرب معها ستتغير كثيراً وفق النظام "الشرق أوسطي الجديد". وأضفت: "... إن المركز المالي اللبناني يبدو مهدداً. من هنا الخوف على دور المصارف وضرورة التعامل مع الأمور المتعلقة بأنظمتها بحكمة وروية لأن ثمة خوفاً فعلياً من احتلال إسرائيل موقعاً متقدماً في هذا المجال كان يتميّز به لبنان". وأشرت الى تأثيرات أخرى على الاقتصاد والزراعة والثقافة والإعلام (تاريخ 4-1-1995). وكتبت لاحقاً عن الصراع على الممرات والمضائق. أليس هذا ما يجري الآن؟ لقد ضربوا "سويسرا الشرق" لبنان. وساهم لبنانيون بذلك. وتوهّم العرب أن انتقال سويسرا الشرق إليهم من دون رؤية سياسية متكاملة وإدراك لخطر الدور الإسرائيلي يضمن مستقبلهم، فذهب بعضهم الى شراكة مع إسرائيل تحت عناوين مختلفة واعتبر بعضٌ آخر أنه أخذ دور لبنان وتعامل كثيرون معه بشماتة أو حقد، حتى جاء تاكر كارلسون يحذّر رئيسه: "إسرائيل تريد تقليص دور دول مجلس التعاون لأنها تتحول الى ما يشبه سويسرا الشرق الأوسط". أليس كل ما كتب وذكر يحصل الآن؟
إسرائيل في نظرتها للشرق الأوسط الجديد، تريد أن تكون المطار والمرفأ ومحور الحركة. كل الممرات والمضائق تصل اليها ومنها تنطلق كل العمليات. هي الحامية. هي المخططة. هي المقرّرة. هي السيدة التي تملك العقول والأفكار والبرامج والخطط والمشاريع والتكنولوجيا والعرب يملكون المال واليد العاملة. هي تخطط وتقرّر والعرب يدفعون المال ويعملون عندها!! كما قال شيمون بيريز ذات يوم.
المشروع الإسرائيلي في قمة اندفاعته. حروب. فتن. فوضى. تفتيت. تقسيم. إهدار إمكانات وثروات. حريق هائل ودمار شامل كما ذكرنا سابقاً. تيه. لا رؤية. لا مشروع. لا فكرة. وانتظار الآخرين لينتشلوا ما تبقّى.
"لبنان سويسرا الشرق" القديم. رغم كل ما حل به وما كتبت عنه: "الثمن الكبير للدور الصغير"، بلد لا تموت الفرص فيه. قد تضيع ولا تموت. لكن الضمانة والمصلحة في التقاط فرص تأتي: العقل. الحكمة. للأسف لم يعد ثمة كبار. وأكرر: "ثمة عطبٌ في العقل اللبناني" "العقل الجماعي لا يعمل" والحالة ذاتها عربية. وعامل الوقت ليس لمصلحتنا جميعاً والمستفيد الأكبر إسرائيل. هل نلتقط لحظة ما؟ فرصة ما؟