2 جمادى الأولى 1448

الموافق

الأربعاء 14-10-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

مقالات مختارة مقالات مختارة السعودية ليست وحدها.. حرب باب المندب مختبر العالم
السعودية ليست وحدها.. حرب باب المندب مختبر العالم
منير الربيع
2026-10-14
السعودية ليست وحدها.. حرب باب المندب مختبر العالم

ليست حرب اليمن، أو البحر الأحمر أو مضيق باب المندب، حرب السعودية وحدها. إنما هي حرب ذات بعد دولي، ولا تنفصل عن الصراع على منابع وممرات النفط. وإذا كانت التكنولوجيا تسهم بإلغاء الأيديولوجيا، ويُراد لها أن تذيب الجغرافيا، فإن الحرب المشتعلة في العالم تعيد الاعتبار للجغرافيا التي لا يمكن تجاوزها أبداً في حسابات الدول ومصالحها، فالصراع اليوم في جانب أساسي منه هو على الجغرافيا وما تحتويه. صراع البحار يمتد إلى البحر الأسود الذي شهد قبل فترة ضربات استهدفت سفناً روسية وتركية، وإلى بحر الصين الجنوبي أو بحر الشمال. وفي كل منطقة من هذه المناطق حرب أو صراع أو أزمة. بعيد إعلان الحوثيين عن تنفيذ عمليات في البحر الأحمر وباب المندب ضد السفن السعودية، سارعت دول كثيرة بينها فرنسا وبريطانيا للإعلان عن الاستعداد للمساعدة في حماية الملاحة. يومها تريثت الولايات المتحدة الأميركية. 

 

الاتفاقات الإبراهيمية

عندما دخلت السعودية في الحرب ضد الحوثيين عام 2015، وعلى الرغم من تشكيلها لتحالف واسع من الدول إلا أنها لم تلقَ التأييد الدولي الواسع. وعندما تعرضت لضربات حوثية وإيرانية استهدفت منشآت آرامكو في العام 2019، تُركت السعودية وحدها. كانت تلك الأحداث لحظات فاصلة دفعت السعودية إلى التفكير بالخيارات البديلة، وبتنويع العلاقات وتعزيزها مع روسيا والصين، وذهبت إلى إبرام اتفاقات، لكنها لم توفر بالمعنى الإستراتيجي ما كانت تطمح إليه السعودية، خصوصاً أن إيران لم تلتزم اتفاق بكين. في المقابل، شنت الولايات المتحدة الأميركية حرباً على إيران، المرة الأولى في العام 2025 وكانت وحدها إلى جانب إسرائيل. الحرب تكررت في العام 2026، حاولت واشنطن تشكيل تحالف دولي وعربي إلى جانبها للانخراط في الحرب، لكنها لم تنجح. ذهبت أميركا إلى اتفاق إسلام آباد مع إيران، وبمجرد الإعلان عنه خرج دونالد ترامب بموقف واضح يدعو فيه دولاً كثيرة على رأسها السعودية إلى تطبيع العلاقات مع اسرائيل والدخول في الاتفاقات الإبراهيمية وهو ما لم يحصل. 

 

ضغوط ترامب

لا يتخلى ترامب عن أهدافه، كما أن إسرائيل لن تتخلى عن أهدافها. دخلت المنطقة في حالة اللاحرب واللاسلم التي تؤثر سلباً على دولها ككل ودول الخليج خصوصاً. تستمر مساعي ترامب لاستدراج دول أوروبية وعربية إلى جانبه في إطار التحشيد لشن حرب جديدة على إيران. في الوقت نفسه انفجرت الحرب الحوثية السعودية، التي تريث ترامب في اتخاذ قرار بشأنها، بينما يتم البحث في إمكانية تشكيل تحالف دولي وعربي كبير لضرب الحوثيين. معروف أن ضغوط ترامب أو الاستثمار في الضربات واهتزاز الاستقرار في الخليج، يريد استثمارها في دفع السعودية إلى التطبيع مع إسرائيل. تل أبيب أرادت أيضاً استغلال الوضع لإبداء الاستعداد للتدخل ضد الحوثيين إلى جانب السعودية تمهيداً لتطبيع العلاقات. وكجزء من الضغوط الأميركية على السعودية يأتي إعلان ترامب عن احتمال مطالبته تركيا بالتدخل في الحرب ضد الحوثيين. هو موقف يريد من خلاله التلويح للسعوديين بإدخال قوة جديدة إلى مدار أمنهم القومي، وهو الأمر الذي سيستفز مصر أيضاً. موقف ترامب هنا يشبه إلى حدود بعيدة ما كان قد صرح به سابقاً تجاه التدخل السوري في لبنان، وقوله أكثر من مرة أنه سيطلب من الرئيس أحمد الشرع التدخل ضد حزب الله. مواقف ترامب هذه كانت تهدف إلى الضغط على الدولة اللبنانية لدفعها إلى اتفاق مع إسرائيل، وهو الأسلوب نفسه يتبعه مع السعودية أو مع أي دولة أخرى، تماماً كما يستخدم مسألة اتفاقه مع روسيا وفلاديمير بوتين للضغط على أوروبا. 

 

استدراج العرب وأوروبا

من الحرب على إيران، إلى الحرب في اليمن، وما بينهما الصراع الدائر على منابع النفط والممرات، تتجمع شواهد كثيرة حول بناء تحالفات دولية لفرض حرب جديدة أو لفرض تسوية كبرى. ما يريد أن يثبته ترامب هو أن كل الدول يجب أن تجد نفسها معنية بخوض حربه، فهو يريد استدراج العرب والأوروبيين إلى ضربته العسكرية ضد إيران لحماية الملاحة في مضيق هرمز والسيطرة عليه عملياً، كما يريد إدخال إسرائيل إلى جانبه في أي حرب ضد الحوثيين في اليمن، كما أن دولاً كثيرة ستجد نفسها معنية بالتدخل والانخراط في اليمن أو في البحر الأحمر. فتركيا تريد بناء قاعدتين عسكريتين هناك، فرنسا سارعت لإعلان التدخل لضمان دورها في باب المندب أو البحر الأحمر وكمحاولة للعودة مجدداً إلى التسلل نحو أفريقيا والحفاظ على دورها في الخليج. بريطانيا تبدي الاستعداد للتدخل والانخراط وسط معلومات تتحدث عن احتمال تقديم مساعدات عسكرية واستخبارية للسعودية إلى جانب المساهمة في تنفيذ عمليات بحرية لحماية الملاحة.

 

القرن الأفريقي

الحرب الحالية في البحر الأحمر، لا يمكن لطرف واحد أن ينفرد بها. فالموقع الإستراتيجي يجذب الكثيرين. فهو صلة الوصل بين المحيط الهندي والبحر المتوسط، ويصل آسيا بأوروبا، عبر باب المندب وخليج عدن وقناة السويس. وفي الظروف الطبيعية يمر عبره نحو 30% من تجارة الحاويات العالمية ونحو خمسة ملايين برميل نفط يومياً، إضافة إلى معظم كابلات الألياف الضوئية البحرية التي تربط أوروبا بآسيا، وهو حلقة وصل بين الخليج والقرن الأفريقي. ولذلك لا يمكن فصل ما يجري في مضيق باب المندب أو البحر الأحمر عما يجري بين السعودية والحوثيين، ولا عما يجري وسيجري لاحقاً في كل القرن الأفريقي من السودان إلى الصومال وصوماليلاند التي اعترفت بها إسرائيل بينما تسعى هي لأن تحصل على اعتراف أميركي، ولدينا أيضاً الصراع المفتوح بين ايريتريا وأثيوبيا. 

 

البحر الأحمر مختبر

لهذا يعتبر البحر الأحمر مختبراً مصغراً للنظام العالمي الجديد: تجارة وطاقة وكابلات رقمية وقواعد عسكرية وقوىً عظمى ومتوسطة ودول هشة وحروب أهلية ووكلاء مسلحون ومنافسة على الموانئ والموارد. وهو ليس مجرد طريق بديل لهرمز، بل منظومة إستراتيجية واحدة تضم باب المندب والسويس وينبع وجيبوتي والسودان والصومال وأرض الصومال وإثيوبيا وإريتريا. عندها ستتقاطع دول كثيرة وتتخاصم دول أكثر. 

 

الاستثمار في الصراع

المؤكَّد أنها حرب طويلة، لن يكون فيها طرف واحد. ستسعى إسرائيل بكل قوتها وأساليبها للتسلل إليها تمهيداً لما تريده أن يأتي بعدها. فهي تريد توسيع نفوذها إلى البحر الأحمر والقرن الأفريقي، تماماً كما تعمل على توسيع حدودها وجغرافيتها في فلسطين، من غزة إلى الضفة، وفي لبنان وسوريا. فدول المشرق العربي أصبحت في حالة وهن وضعف كبيرين أمام التغول الإسرائيلي. الآن حان وقت الانتقال إلى الخليج، الذي تريد تل أبيب تسجيل خروقات كبيرة فيه، والاستثمار بأي صراع خليجي إيراني، كي تتمدد أكثر وتقدم نفسها كحاجة وضرورة للجميع. يبقى الأخطر هو التهديد الإسرائيلي القائم والدائم لكل الدول العربية، من خلال قضم لبنان، تطويق سوريا ومواصلة الاعتداء عليها والتلاعب بأمنها الداخلي، إضافة إلى السعي الدائم لتطويق مصر وإضعافها ومنعها من تأدية أي دور إستراتيجي على مستوى المنطقة، وصولاً إلى التريث وانتظار المعارك الدائرة في الخليج. 

 

انفجار من الداخل

أما إيران فلجأت إلى التصعيد الاستباقي على قاعدة ضرب دول الخليج للضغط على واشنطن للتراجع، لكن المشهد القائم الذي يتكون اليوم، يشير بوضوح إلى استحالة القبول الدولي بإيران الحالية بعد كل ما جرى في مضيق هرمز، أو في باب المندب والبحر الأحمر أو الاعتداء على السفن وتعطيل الملاحة وإغلاق المضائق، فهي حتماً إما ستواجه حرباً عسكرية كبرى، وإما أن يستمر الواقع الحالي فيها وفي محيطها بما يحمله من حصار وتفاعل للأزمات الداخلية، حتى تصل إلى لحظة الانفجار من الداخل، بما سيعيد تشكيل توازنات المنطقة برمتها. 

المدن
أخبار مماثلة