3 جمادى الأولى 1448

الموافق

الخميس 15-10-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

بأقلامهم بأقلامهم "بين الإحسان والمساءلة"!
"بين الإحسان والمساءلة"!
القاضي م جمال الحلو
2026-10-15
"بين الإحسان والمساءلة"!

يُروى في خبايا الزمان، وتقلّبات الأحوال، أنّ رجلًا أفضى إلى شيخٍ بما يعتمل في صدره من أوجاع، وما تراكم في نفسه من خيبات، فقال له، وقد أثقله الأسى:

— يا شيخ، لِمَ لا ألقى ممّن أحسنتُ إليهم إلّا الغدر، وممّن أوليتهم ثقتي إلّا الخيانة؟

فأطرق الشيخ، ولم يُجِب.

قال الرجل:
— ولِمَ أجد الجفاء عند مَن أحببتهم، والصدود عند مَن أخلصت لهم الودّ؟

فصمت الشيخ.

قال:
— ولِمَ غيّب الموت أحبّتي، وأبقى لي مَن لا أجد في قربهم أُنسًا، ولا في صحبتهم سكينة؟

فلم ينبس الشيخ ببنت شفة.

قال الرجل، وقد أخذت الوحشة من نفسه كل مأخذ:
— ولِمَ أشعر بالغربة في خضمّ الحياة، كأنّي غريبٌ بين أهلي، ووحيدٌ بين الناس؟

فأدام الشيخ صمته.

ثم استطرد الرجل:
— ولِمَ يُسيء الناس الظنّ بي، ويحمّلون أقوالي ما لم تحتمل، وينسبون إليّ ما لم أقصد؟

وسكت الشيخ.

ثم قال الرجل، وقد اختلط في نبرته العتب بالوجع:
— لِمَ يكذب عليّ مَن أصدّقهم، ويقسو عليّ مَن أحنو عليهم، ويرحل عنّي مَن أضمّهم إلى قلبي؟ ولِمَ أمدّ يدي بالخير، فتمتدّ إليّ أيدي بعض الناس بالأذى، وأقابلهم بالمودّة، فيقابلونني بالجفاء، وأصون لهم العهد، فينقضونه، وأحفظ لهم الودّ، فيستبيحونه؟

وما إن فرغ من شكواه حتى غلبته عبرته، فانفجر باكيًا، كأنّما انحلّت دموعه عن مكنون سنين من الكتمان والاحتمال.

عندئذٍ وضع الشيخ يده على قلب الرجل، وقال له في رفقٍ نافذٍ إلى أعماق النفس:

— يا أخي، لعلّك تنظر إلى ما ينزل بك من أذى، ولا تنظر إلى ما ينطوي عليه قلبك من قدرة على الاحتمال، ولا إلى ما بقي فيك من نقاءٍ، على الرغم ممّا لقيت. ولعلّك جئت تشكو من الناس ما لا تعلم أنّه قد يكون بابًا إلى مراجعة نفسك، وإلى التبصّر في حقيقة الدنيا، والتمييز بين صفاء الإحسان وسذاجة الثقة، وبين طيبة القلب وإهدار الكرامة. ولعلّ في صبرك وإحسانك منزلةً لا تعرف قدرها، والله أعلم بسرائر عباده ومقادير ابتلائهم.

ثم أردف:
— فليس كلّ ما يؤلمك عقوبة، ولا كلّ ما يوجعك خذلانًا، ولا كلّ ما تفقده شرًّا محضًا؛ فقد يكون في بعض المحن ما يكشف لك حقائق النفوس، ويحرّرك من أوهامٍ طال مقامك فيها، ويعلّمك أن تُحسن من غير أن تستعبدك إساءة الآخرين، وأن تعفو من غير أن تفرّط في حقّك، وأن تصبر من غير أن تتصالح مع الظلم.

فسكن الرجل قليلًا، كأنّ الكلمات قد ردّته من ضجيج الشكوى إلى هدوء التأمّل، ثم قال:

— لقد أصبتَ كبد الحقيقة، وأضأتَ لي معالم الطريق؛ فما جئتُ أطلب جوابًا عن أفعال الناس فحسب، بل جئتُ أفتّش عن معنى ما أعانيه، فإذا بي أكتشف أنّ عليّ أن أقرأ المحنة بعين البصيرة، لا بعين الوجع وحده.

وهنا، يا سادة، يحقّ لنا أن نتأمّل: إنّ الإحسان ليس ضعفًا، والصبر ليس عجزًا، ونقاء السريرة ليس دعوةً إلى استباحة صاحبها. إنّما المحسن مَن يظلّ وفيًّا لمبادئه، من غير أن يجعل وفاءه بابًا للمهانة، ويصون قلبه من الضغينة، من غير أن يعطّل عقله عن التمييز، ويملك نفسه عند الغضب، من غير أن يتنازل عن حقّه في العدل.

وليس من الحكمة أن نجزم بأنّ كلّ أذى يصيبنا دليلٌ على منزلةٍ مخصوصة عند الله؛ فذلك من الغيب الذي لا نملك مفاتيحه. ولكنّ الحكمة أن نحسن التلقّي، ونستخلص من المحنة ما يزكّي نفوسنا، ويهذّب أخلاقنا، ويزيدنا بصيرةً بأنفسنا وبالناس؛ فالله يحبّ المحسنين، والإحسان منزلةٌ تُعرف بصدق العمل، واستقامة الخلق، والعدل في القول والفعل، لا بمجرّد كثرة ما نلقى من الأوجاع.

ومن هنا، فإنّ أسمى مراتب الصبر ألّا يخرج الإنسان من محنته أشدّ قسوةً، ولا أكثر حقدًا، ولا أضيق صدرًا بالخلق؛ بل أن يخرج منها أصفى بصيرةً، وأرسخ مبدأً، وأقدر على التمييز بين مَن يستحقّ الثقة ومَن لا يؤتمن، وبين مَن يُرجى إصلاحه ومَن لا يُجدي معه إلا وضع الحدود وصيانة الحقوق.

ولكنّ التأمّل لا يكتمل ما لم يتجاوز محن الأفراد إلى محن الأوطان؛ فثمّة فرقٌ بعيد بين ابتلاءٍ لا نملك دفعه، وواقعٍ نصنع بعض أسبابه بأيدينا، ثم نلوذ بالصبر عن مساءلته.

وهنا ينهض السؤال الذي لا يجوز أن نُسكت ضمائرنا عنه: أَنَعُدّ ما نرزح تحته من أزماتٍ سياسية ومعيشية، وما نراه من فسادٍ واستغلالٍ وهدرٍ للمال العام، ابتلاءً يُراد لنا أن نحتسبه فحسب؟ أم أنّ في جانبٍ منه نتيجةً لتقصيرنا في المحاسبة، وتهاوننا في المطالبة بالحقوق، وإحجامنا عن إعلاء كلمة الحقّ، وتركنا أهل السلطة بمنأى عن المساءلة؟

أَنقول إنّ الله ابتلانا بطبقةٍ من السياسيين الذين تُوجَّه إليهم اتهاماتٌ بالفساد ونهب المال العام، ثم نكتفي بالدعاء عليهم، أم نسأل أنفسنا عمّا إذا كنّا قد أدّينا واجبنا في مراقبة أعمالهم، ومطالبتهم بالشفافية، ومحاسبتهم على ما يثبت من أفعالهم، وفق القانون والأصول؟ وأَنكتفي بالتوجّع من صمت بعض القضاة أو تقصير بعض المسؤولين، أم نتمسّك باستقلال القضاء، ونطالب بإحقاق الحقّ، ونرفض أن تتحوّل الهفوات إلى حصانة، أو أن يُصبح النفوذ ستارًا يحجب المحاسبة؟

إنّ الإيمان لا يُعفينا من مسؤولياتنا، والتوكّل لا يُسقط عنّا واجب العمل، والصبر لا يمنح الظالم صكّ براءة، ولا يُسبغ على الفساد مشروعيةً أخلاقية. بل إنّ من مقتضيات الإيمان أن نردّ الأمانات إلى أهلها، وأن ننهى عن الظلم بالوسائل المشروعة، وأن نقيم العدل ما استطعنا إليه سبيلًا؛ إذ لا يستقيم الإحسان مع التواطؤ على الباطل، ولا تكتمل المروءة إذا استحالت مخافةُ الناس ذريعةً إلى كتمان الحقّ.

وليس معنى ذلك أن نحمل الناس جميعًا تبعة ما لا يملكون دفعه، أو أن نجعل كلّ مصيبة ثمرةً لتقصيرهم؛ فثمة أقدارٌ تتجاوز حيلتنا، ومحنٌ لا نملك ردّها. ولكنّ البصيرة تقتضي أن نفرّق بين ما ينبغي احتماله، وما ينبغي إصلاحه، وبين الصبر على ما لا نملك تغييره، والتقاعس عمّا نستطيع تغييره ثم التذرّع بالقضاء والقدر.

وهذه هي العبرة التي ينبغي ألّا تغيب عنّا: إنّ الصبر الذي لا يثمر حكمةً يوشك أن يصير استسلامًا، والإحسان الذي لا تصحبه بصيرةٌ قد يتحوّل إلى بابٍ للاستغلال، والإيمان الذي لا يوقظ فينا حسّ المسؤولية يبقى دعوى لا يصدّقها العمل. فليس أشرف للإنسان من أن يصون قلبه من الحقد، ويده من العدوان، ولسانه من البهتان، وموقفه من التخاذل؛ فيعفو حيث يكون العفو إصلاحًا، ويحزم حيث يكون الحزم ضرورةً، ويطالب بالحقّ من غير بغي، ويحاسب من غير افتراء، ويصبر من غير أن يتنازل عن كرامته أو واجبه.

فاللهمّ أفرغ علينا صبرًا جميلًا، وارزقنا بصيرةً تميّز لنا بين الابتلاء والتقصير، وبين العفو والتفريط، وبين التوكّل والتواكل. اللهمّ اجعلنا من المحسنين الذين لا يحملهم الأذى على الظلم، ولا يدفعهم الصبر إلى الاستكانة، ولا تصرفهم المحن عن نصرة الحقّ وإقامة العدل. وأعنّا على أنفسنا قبل أن نلوم غيرنا، وعلى إصلاح ما نستطيع إصلاحه قبل أن نستسلم لليأس، واجعلنا ممّن إذا أُوتوا أحسنوا، وإذا ابتُلوا صبروا، وإذا رأوا ظلمًا لم يجعلوا الصمت فضيلةً ولا التخاذل حكمة.

آمين، يا ربّ العالمين.

جنوبيات
أخبار مماثلة