لقد أوردت مجلّة الأحكام العدليّة قاعدتين بيّنتين في مسألة الصمت والسكوت؛ تقول الأولى: «لا يُنسب إلى ساكتٍ قول»، فيما تقرّر الثانية: «السكوت في معرض الحاجة بيان».
ولسنا هنا في معرض شرح هاتين القاعدتين المعمول بهما في المسائل الشرعيّة والحقوقيّة، بقدر ما نرمي إلى إلقاء الضوء على تعدّد وجوه الصمت وتباين دلالاته؛ فهو، في بعض المواقف، حكمةٌ تُجنّب المرء عواقب الكلام، وفي مواقف أخرى تقاعسٌ يُفاقم الأخطاء، بل قد يغدو جريمةً أخلاقيّةً تفضي إلى عواقب كارثيّة.
فالسكوت عن إهانةٍ عابرة قد يدرأ خلافًا ويحول دون تداعيات لا تُحمد عقباها، أمّا السكوت عن الحقّ، حين يكون الكلام واجبًا والشهادة ضرورة، فقد يفتح أبواب الظلم على مصاريعها، ويُسهم في هدم وطنٍ بأكمله. وما أشدّ خطورة الصمت حين يتحوّل من اتّزانٍ في الموقف إلى تواطؤٍ مع الباطل، ومن تعقّلٍ في الكلام إلى عجزٍ عن قول الحقّ!
وليس من قبيل المبالغة القول إنّ الساكت عن الحقّ شيطانٌ أخرس؛ إذ قد لا يكون الصمت مجرّد امتناعٍ عن الكلام، بل قد يصبح، في بعض المواطن، مشاركةً غير مباشرة في ترسيخ الظلم، وإفساحًا للمعتدي كي يتمادى، وللباطل كي يستفحل، وللحقّ كي يُهدر.
وللصمت وجوهٌ شتّى، ودلالاتٌ تتباين بتباين النفوس والمواقف؛ فقد تكون وراءه غيرة، وقد تكون وراءه حيرة.
وقد يكون وراء الصمت أنين، وقد يكون وراءه حنين.
وقد يكون وراء الصمت ندم، وقد يكون وراءه ألم.
وقد يكون وراء الصمت حكمة، وقد تكون وراءه نقمة.
وقد يكون وراء الصمت مسرّة، وقد تكون وراءه مضرّة.
وقد يكون وراء الصمت عبرة، وقد تكون وراءه سترة.
وقد يكون وراء الصمت تغريدةٌ لا تُسمع، وقد تكون وراءه مكيدةٌ لا تُرى.
وقد يكون وراء الصمت حكايةُ بداية، وقد يكون وراءه فصلُ نهاية.
وهكذا، ليس الصمت فراغًا كما يتوهّم البعض، ولا هو دائمًا علامة رضا أو دليل عجز؛ إنّه لغةٌ قائمةٌ بذاتها، تختزن من المعاني ما قد تعجز الكلمات عن الإفصاح عنه، وتضمر من الحكايات ما لا تبوح به الشفاه. وللصمت أسرارٌ لا يدركها إلا مَن أرهف سمعه لما وراء الكلمات، وأحسن قراءة ما تخفيه الوجوه، واستشفّ من سكون المواقف ما تعجز العبارة عن كشفه.
غير أنّ العبرة ليست في الصمت ذاته، بل في موضعه وسببه وعاقبته. فليس كلّ صمتٍ حكمة، كما أنّه ليس كلّ كلامٍ شجاعة؛ فقد يكون الصمت أبلغ من الكلام حين يكون الكلام عبثًا، وقد يكون الكلام أوجب من الصمت حين يصبح السكوت خذلانًا. وما بين هذا وذاك، تتجلّى حكمة المرء في أن يعرف متى يتكلّم، ومتى يصمت، ومتى يجعل من صوته موقفًا لا يحيد عنه، ومن سكوته اتّزانًا لا يُساء فهمه.
لذا، مَن لم يقل خيرًا فليصمت، ومَن افتقر إلى الخبرة فليُنصت إلى أهل الاختصاص، ومَن رأى منكرًا فليسعَ إلى تغييره بالحكمة والوسيلة المشروعة، ومَن آثر السكوت فليُحسن تقدير عواقبه، وليكن صمته موقفًا مسؤولًا لا ستارًا للعجز أو ذريعةً للتخلّي عن الواجب. أمّا مَن اعتاد لسانه البذاءة، فليطهّره؛ إذ إنّ للكلمة كرامةً، وللّسان أمانةً، وللحديث مسؤوليةً لا تقلّ شأنًا عن مسؤولية الصمت.
وقد أحسن الشاعر حين حذّر من آفة اللسان، فقال:
«احفظ لسانك أيّها الإنسانُ
لا يلدغنّك إنّه ثعبانُ».
فالكلمة قد تبني جسرًا بين القلوب، وقد تهدم ما عجزت السنون عن بنائه، وقد تردّ مظلمةً، وقد تُشعل فتنةً؛ وكذلك الصمت، قد يصون كرامةً، وقد يضيّع حقًّا، وقد يُطفئ نارًا، وقد يتركها تستعر حتى تأتي على الأخضر واليابس.
وخلاصة القول: إنّ الصمت حكمةٌ حين يحرس الكرامة، وخذلانٌ حين يترك الحقّ وحيدًا؛ وإنّ الكلمة أمانةٌ حين تُقال بوعي، ومسؤوليةٌ حين يُصبح قولها واجبًا. فليس الشجاع مَن يُكثر الكلام، ولا الحكيم مَن يُدمن السكوت، بل مَن يضع لكلّ مقامٍ مقاله، ولكلّ حقٍّ صوته، ولكلّ صمتٍ حدَّه. فحين يكون الكلام واجبًا، يصبح الصمت موقفًا، وحين يكون الحقّ مهدّدًا، قد تكون كلمةٌ واحدةٌ أشرف من صمتٍ طويل.