يُحكى أنّ رجلًا كان يبيع الثلج في الأسواق، وينادي بأعلى صوته، مستدرًّا عطف المارّة: «ارحموا مَن يذوب رأس ماله!». لم يكن نداؤه مجرّد حيلةٍ لاستمالة المشترين، بل كان تعبيرًا صادقًا عن حقيقة بضاعته؛ فالثلج يذوب شيئًا فشيئًا، وما يتساقط منه من قطرات الماء لا سبيل إلى استرداده، وما ينقضي من زمن بقائه لا يعود. فإن لم يُسارع إلى بيعه، تسرّب رأس ماله من بين يديه، حتى لا يبقى له في آخر الأمر سوى الخسارة.
ويُروى عن أحد الصالحين أنّه ظلّ يتأمّل سورة العصر عشرين عامًا، وهو يتلو قول الله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾، من غير أن يستبين له من دقائق معناها ما يروي ظمأ فكره، ويكشف له سرّ هذا القسم الإلهيّ وما ينطوي عليه من عظيم الدلالة.
وكان موضع تأمّله أنّ الخسران قد جُعل أصلًا في حال الإنسان، وأنّ النجاة منه لم تُترك للادّعاء أو التمنّي، بل عُلّقت على أربع خصال متلازمة: إيمانٍ يرسخ في القلب، وعملٍ صالح يصدّق حقيقة الإيمان، وتواصٍ بالحقّ يحفظ للإنسان استقامته، وتواصٍ بالصبر يعصمه من الزيغ أمام مشقّات الطريق وابتلاءاته.
حتى سمع ذات يوم بائع الثلج ينادي في السوق: «ارحموا مَن يذوب رأس ماله!»، فإذا بالنداء العابر يفتح له بابًا من الفهم، ويقرّب إليه المعنى الذي طال تأمّله. عندها أدرك أنّ رأس مال الإنسان ليس ما يجمعه من مال، ولا ما يحرزه من جاه، ولا ما يتباهى به من أسباب الدنيا؛ إنّما رأس ماله الحقيقيّ هو عمره الذي تتناقص أنفاسه، ووقته الذي يمضي ولا يُستردّ. وكلّ لحظة تنقضي من حياته إنّما هي جزء من وجوده قد انسلخ عنه، ومهما بذل من مال، ومهما امتلك من أسباب القوّة، فلن يستطيع أن يشتري بها لحظةً مضت، أو يستعيد بها يومًا انقضى.
وهنا تتجلّى حكمة القسم بالعصر؛ فالزمن ليس وعاءً محايدًا تمرّ فيه أعمارنا، بل هو مادّة الحياة التي تُستهلك في كلّ حركة وسكون، وفي كلّ قول وعمل، وفي كلّ اختيار نُقدم عليه أو نتقاعس عنه. والإنسان، منذ يولد، يسير في رحلةٍ لا يتوقّف عدّادها؛ فإن لم يجعل من أيّامه سبيلًا إلى الخير، جعلها الزمن شاهدًا على تفريطه، وإن لم يملأ صحيفته بما ينفعه، ملأها ما أهدره من فرصٍ لا تعوّض. وهكذا يكون الخسران، في جوهره، أن يمضي العمر فيما لا يقرّب من غاية، ولا يبني خيرًا، ولا يترك أثرًا نافعًا في النفس أو الحياة.
وليس معنى ذلك أن يُحيل المرء حياته إلى سباقٍ محموم، أو أن يقيس قيمة أيّامه بكثرة ما ينجز فحسب؛ فكم من ساعةٍ قصيرة غيّرت مسار إنسان، وكم من كلمة حقّ ردّت ضميرًا إلى يقظته، وكم من عملٍ خفيّ عظيم الأثر لم يعلم به أحدٌ سوى الله. إنّ العبرة ليست في طول ما نعيش، بل في حقيقة ما نودع أعمارنا من خير، ولا في ازدحام أعمالنا، بل في صدق مقاصدنا وصلاح آثارنا. فقد يكون المرء كثير الحركة، وهو في حقيقة أمره قليل الحصاد، وقد تمرّ لحظة واحدة من عمره فتكون أرجح في ميزان الخير من أعوامٍ أنفقها في الغفلة والتسويف.
ومن هنا نفهم سرّ الاستثناء في سورة العصر؛ فالإيمان يهب الحياة وجهتها، والعمل الصالح يمنحها ثمرتها، والتواصي بالحقّ يحول دون أن يستبدّ بالإنسان هوى نفسه أو ضلال الجماعة، والتواصي بالصبر يثبّت الأقدام حين تتعقّد المسالك وتشتدّ المحن. وهذه الخصال ليست شعبًا متفرّقة لا رابط بينها، بل هي بناءٌ متكامل، إذا اختلّ ركنٌ منه تصدّع ما سواه؛ إذ لا يكفي أن يعرف المرء الحقّ ما لم يعمل به، ولا أن يعمل الخير ما لم يصبر على تبعاته، ولا أن ينجو بنفسه ثم يترك غيره نهبًا للضياع، وهو قادر على النصح والإعانة والتذكير.
أيّها الأحبّة الكرام،
إنّ أخطر ما يواجه الإنسان ليس فناء المال، ولا تقلّب الأحوال، ولا ضياع بعض الفرص؛ بل أن يألف التفريط حتى لا يعود يشعر بما يتسرّب من عمره، وأن يؤجّل إصلاح نفسه كأنّ في الأجل ضمانًا، وأن يركن إلى فسحة الأمل كأنّ الغد حقّ مكتسب لا احتمالٌ من احتمالات الحياة. كم من إنسانٍ سوّف توبته، وأخّر برّه، وأرجأ اعتذاره، وأهمل واجبًا كان يستطيع أداءه، حتى باغته ما لم يكن يحتسب! وكم من فرصةٍ كانت بين يديه، لو أحسن اغتنامها لغيّرت وجه حياته، ثم لم يبقَ منها سوى حسرةٍ لا تردّ فائتًا ولا تجبر ما انكسر!
وليس كلّ من يسرق أعمارنا شخصًا نعرفه، أو عدوًّا يتربّص بنا؛ فقد يكون السارق غفلةً استحكمت، أو عادةً استنزفت ساعاتنا، أو لهوًا جاوز حدّه، أو انشغالًا بما لا طائل تحته، أو خصومةً استهلكت من صفاء أرواحنا أكثر ممّا تستحقّ. وقد يكون تسويفًا نُزيّنه لأنفسنا، فنقول: غدًا نفعل، وغدًا نصلح، وغدًا نبدأ؛ حتى تتكاثر الأيّام المؤجّلة، ويغدو الغد الذي علّقنا عليه آمالنا ماضيًا لا سبيل إلى استعادته.
وليس المطلوب أن ينقطع الإنسان عن شؤون دنياه، أو أن يهجر مسؤولياته ومباحات حياته، بل أن يردّ كلّ أمرٍ إلى موضعه، فلا تستغرق الوسيلة الغاية، ولا يستعبد العارضُ الجوهريَّ، ولا يطغى طلب العيش على معنى الحياة. فالوقت الذي يُنفق في كسبٍ حلال، أو رعاية أهل، أو إتقان عمل، أو تعلّم نافع، أو جبر خاطر، أو إغاثة محتاج، ليس وقتًا ضائعًا؛ إذ العبرة ليست في ظاهر الفعل وحده، بل في مقصده، ووجهته، وما يخلّفه من خير.
وإذا كان بائع الثلج يستغيث بالناس كيلا يذوب رأس ماله، فإنّ الإنسان أولى بأن يستغيث بضميره من غفلةٍ تذيب عمره، وأن يتنبّه قبل أن تنقضي الفرصة، ويحين وقت الحساب، فلا ينفع الندم على ما فات. وما أحوجنا إلى وقفةٍ صادقة مع أنفسنا، نراجع فيها ما مضى من أيّامنا، لا لنستسلم لحسرة الماضي، بل لنستدرك ما بقي، ونحوّل الوعي إلى عمل، والنيّة إلى أثر، والأمل إلى خطواتٍ ثابتة في طريق الخير.
فلنجعل لأنفسنا نصيبًا من ذكر الله وطاعته، ومن إصلاح ما فسد، وصلة ما انقطع، وأداء ما وجب، ولنحرص على أن نكون ممّن إذا مرّوا في الحياة تركوا وراءهم خيرًا يُذكر، وأثرًا يُقتدى به، ودعوةً صالحةً تمتدّ بعد انقضاء أعمارهم. فليس الفوز أن يطول بنا المقام في هذه الدنيا، بل أن يحسن فيها عملنا، ويصدق فيها إيماننا، وتطيب فيها آثارنا، ونلقى الله وقد بذلنا من أعمارنا فيما يرضيه وينفع عباده.
وما أبلغ أن يكون ختام هذه المعاني وعدُ الله الذي لا يتخلّف، وقوله سبحانه وتعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾.
صدق الله العظيم.