في حياة الناس أمثالٌ تختصر تجارب طويلة، وتختزن حكمة الأيام في عبارات موجزة نافذة. ولعلّ من أبلغ هذه الأمثال ما يُقال عند الانتقال من ضيقٍ إلى ما هو أشدّ ضيقًا، أو من مأزقٍ إلى ما هو أعقد وأخطر.
«من تحت الدَّلَف إلى تحت المِزراب» مثلٌ شعبيّ قديم يُضرَب لمن يخرج من حالٍ سيّئة ليقع في حالٍ أسوأ منها. والدَّلَف، في العاميّة، هو تسرّب مياه المطر من سقف البيت نتيجة خللٍ فيه، أمّا المِزراب فهو أنبوبٌ يُثبَّت على أسطح المنازل لتصريف مياه الأمطار وإبعادها عن الجدران حمايةً لها من التلف، ويُعرف عاميًّا بـ«القسطل». وهو يوجّه المياه من أعلى السطح إلى الأسفل، بفعل الانحدار.
ويأخذنا هذا المثل إلى زمنٍ كانت فيه الأمطار غزيرة، وكانت أسقف البيوت، المصنوعة من الطين، لا تصمد طويلًا أمام استمرار الهطول. لذلك، كان الناس يعمدون، في أواخر الصيف وبدايات الخريف، إلى صيانة أسطح منازلهم وحمايتها من تسرّب المياه، بفرش طبقة من الصوف الصخريّ فوقها، ثم تغطيتها بالإسمنت. وكانت هذه الطبقة تُنفَّذ بانحدارٍ خفيف نحو المِزراب، فيما يُسمّى عاميًّا «السَّرود»، لضمان انسياب المياه ومنع تجمّعها فوق السطح.
ومع ضيق الأزقّة والشوارع، كان السير تحت المطر مغامرةً تتطلّب الحذر والانتباه، تجنّبًا للمياه المنهمرة من المزاريب، التي قد تُغرق المارّة فجأةً. ومن هذه الصورة الحسيّة المألوفة وُلد المعنى المجازيّ للمثل، فأصبح تعبيرًا عن الانتقال من سوءٍ إلى ما هو أسوأ، ومن مشكلةٍ يُرجى الخلاص منها إلى أخرى أشدّ وطأةً وأعظم أثرًا.
وعند إسقاط هذا المثل على واقعنا، يتجلّى حضوره بوضوح؛ فكثيرًا ما يهرب الإنسان من مشكلةٍ، ظانًّا أنّه يُحسن التصرّف، فإذا به يقع في أخرى أشدّ وقعًا وأعظم أثرًا. بل إنّ المجتمعات، حين تغيب عنها الرؤية الواضحة والحكمة في اتخاذ القرار، قد تتخبّط بين خياراتٍ تزيد أزماتها تعقيدًا، بدلًا من أن تفتح أمامها أبواب الخلاص. ولعلّ عبارة عادل إمام في فيلم «مرجان أحمد مرجان»: «لقد وقعنا في الفخّ»، تختزل، بسخريتها اللاذعة، حال من يكتشف متأخّرًا أنّه انتقل من مأزقٍ إلى مأزقٍ أشدّ منه.
إنّ العبرة من هذا المثل أنّ الخروج من الأزمات لا يكون بالهروب العشوائيّ، ولا باتخاذ القرارات المتسرّعة، بل بحسن التقدير، واستشراف العواقب، واختيار الطريق الأقلّ ضررًا، وإن بدا أطول. فكم من قرارٍ متعجّلٍ أوقع صاحبه فيما كان يحاذره، وكم من تروٍّ وبُعد نظرٍ جنّبا الإنسان الوقوع في مأزقٍ أشدّ تعقيدًا وضيقًا.
وبين الدَّلَف والمِزراب، يتحدّد مصير الإنسان: فإمّا أن يُحسن الاختيار، فيتجنّب الأسوأ، وإمّا أن يندفع بلا بصيرة، فيغدو أسيرًا لقراراته وأخطائه. ومن هنا، فإنّ التقييم الصادق لكلّ خطوة، والنظر المتبصّر في عواقبها، يظلان من أقوم السبل إلى النجاة، وأجدى الوسائل لتفادي الوقوع في ما هو أشدّ سوءًا.
تولّانا الله برحمته، وأجارنا من الأعظم.