يبدو لبنان أمام مفترق حاسم: إما أن يتحول الضغط الدولي إلى مسار متوازن يعزز مؤسسات الدولة ويحدّ من حرية التصعيد، وإما أن يبقى عالقاً بين شروط إسرائيل وحسابات إيران ومخاوف الولايات المتحدة.
لم تعد المخاطر التي تواجه لبنان محصورة في تعثّر المفاوضات الرامية إلى تثبيت الاستقرار جنوباً وحصر السلاح بيد الدولة. فمع انتهاء اجتماعات تامبا العسكرية الأميركية ـ اللبنانية ـ الإسرائيلية من دون اختراق واضح، تتزايد المخاوف من أن يتحول الجمود السياسي والميداني إلى مدخل لتصعيد أوسع، خصوصاً إذا تجددت المواجهة الأميركية ـ الإيرانية وقرر "حزب الله" التدخل دعماً لطهران.
في اجتماعات تامبا التي عُقدت يومي 20 تشرين الأول و21 منه، برز الخلاف على آلية التحقق من تنفيذ التفاهمات، فيما لم تتوقف الضربات الإسرائيلية. وأصرّت بيروت على ضرورة وقف الهجمات ومعالجة الانتهاكات، في حين تمسكت إسرائيل بمطالبها الأمنية، ولوّحت بالتحرك منفردة ما لم يتمكن الجيش اللبناني من إزالة التهديدات التي تقول إنها قائمة في منطقتين تجري فيهما ترتيبات ميدانية تجريبية. ولم يُعلن عن اختراق يتيح الانتقال إلى مرحلة سياسية أكثر تقدماً.
تامبا: تفاوض بلا ضمانات
تكشف هذه النتيجة محدودية المسار العسكري عندما لا يقترن بآلية واضحة تجبر الأطراف على التزامات متبادلة. فلبنان مطالب بإثبات قدرته على بسط سلطة الدولة، لكن استمرار الضربات الإسرائيلية والوجود العسكري الإسرائيلي في نقاط داخل الأراضي اللبنانية يضعفان قدرة الحكومة على تقديم ضمانات بأن التقدم الأمني سيقود إلى وقف التصعيد، لا إلى مطالب جديدة.
وتواجه السلطة اللبنانية معادلة صعبة: إظهار جدية تنفيذ قراراتها المتعلقة بحصرية السلاح، والحؤول في الوقت نفسه دون استخدام هذه القرارات غطاءً لتوسيع العمليات الإسرائيلية. أما الاكتفاء بالرهان على المفاوضات من دون نتائج ميدانية ملموسة، فيهدد بتحويلها إلى مسار مفتوح لكسب الوقت، فيما يبقى لبنان عرضة لضربات قد تتسع تبعاً لحسابات إسرائيلية وإقليمية.
الأكثر خطورة أن الأزمة اللبنانية تتقاطع مع احتمال تجدد المواجهة بين واشنطن وطهران. فإذا عادت الولايات المتحدة إلى شن ضربات على إيران، فقد يجد "حزب الله" نفسه أمام قرار بالغ الحساسية: هل يتدخل عسكرياً لمساندة حليفته، أو يتجنب فتح جبهة لبنانية جديدة في بلد لم يتعافَ بعد من الحرب والدمار والنزوح؟
لا يعني رفع الجهوزية العسكرية أو الاستعداد لاحتمال المواجهة، أن قرار المشاركة قد اتُّخذ نهائياً. فحسابات الحزب ستتأثر بحجم الضربات التي قد تتعرض لها إيران، وطبيعة الرد الأميركي، وقدرته على تحمل تبعات حرب جديدة في لبنان. ولكن إذا اختار التدخل، فقد يعطي إسرائيل ذريعة لتوسيع عملياتها، بما يتجاوز الجنوب إلى مواقع وبنى تحتية أخرى، ويحوّل الأراضي اللبنانية مجدداً إلى إحدى ساحات الصراع الإقليمي.
هنا تكمن المخاطرة الإستراتيجية: قد يُتخذ قرار عسكري مرتبط بحسابات طهران الإقليمية، فيما يتحمل لبنان كله كلفته البشرية والاقتصادية والسياسية. ومن شأن اتساع المواجهة أن يضعف المؤسسات اللبنانية، ويقوض فرص التعافي، ويجعل استعادة سلطة الدولة أكثر صعوبة. لذلك، لا يمكن التعامل مع احتمال الحرب الأميركية ـ الإيرانية بوصفه ملفاً خارجياً منفصلاً عن مستقبل لبنان.
واشنطن بين الضغط والاحتواء
تجد واشنطن نفسها أمام اختبار مزدوج. فهي تضغط على السلطات اللبنانية لتطبيق قرارات حصرية السلاح وتعزيز دور الجيش، لكنها تحتاج أيضاً إلى منع إسرائيل من توسيع الحرب، وإلى الحيلولة دون استخدام لبنان جبهةً إضافية في أي مواجهة مع إيران.
إذا اقتصر الضغط الأميركي على بيروت من دون خطوات متوازنة لوقف الهجمات الإسرائيلية ودفع الانسحاب، فقد تتراجع قدرة الحكومة على إقناع اللبنانيين بجدوى المسار الديبلوماسي. وفي المقابل، سيزيد تدخل "حزب الله" في حرب إقليمية جديدة عزلة لبنان ومخاطره، ويضعف حجة الدولة في المطالبة بقرار مستقل للحرب والسلم.
ولا يعني ذلك مساواة المسؤوليات أو تجاهل مسألة السلاح، بل إن استعادة السيادة تقتضي مسارين متلازمين: تعزيز قدرة الدولة على فرض سلطتها، والضغط لوقف الاعتداءات والانسحاب الإسرائيلي وتوفير ضمانات قابلة للتحقق.
منع الحرب يبدأ بمنع الفراغ
مع اقتراب انتهاء مهمة "اليونيفيل"، تزداد الحاجة إلى ترتيبات دولية واضحة تمنع نشوء فراغ أمني، وتدعم الجيش اللبناني بالتجهيز والتدريب والقدرات اللازمة. لكن أيّ مهمة أوروبية أو صيغة دعم بديلة لا يمكنها أن تحل وحدها محل التسوية السياسية، ولا أن تعالج الخلافات المتعلقة بالسلاح والانسحاب والضمانات.
في المحصلة، يبدو لبنان أمام مفترق حاسم: إما أن يتحول الضغط الدولي إلى مسار متوازن يعزز مؤسسات الدولة ويحدّ من حرية التصعيد، وإما أن يبقى عالقاً بين شروط إسرائيل وحسابات إيران ومخاوف الولايات المتحدة. لا شيء يجعل العودة إلى حرب واسعة أمراً حتمياً، لكن تعثّر تامبا، واستمرار الضربات، واحتمال تجدد الصراع الأميركي ـ
الإيراني، تجعل الخطر جدياً ولا يجوز التقليل منه.
المطلوب تحرك استباقي يمنع جرّ لبنان إلى مواجهة لا يملك قرارها ولا يحتمل كلفتها، ويثبت أن حماية البلاد تبدأ باستعادة الدولة قرار الحرب والسلم، لا بتركه رهينة المفاوضات المتعثرة أو الصراعات الإقليمية.
وكتبت رندة تقي الدين في" النهار": كشف مصدر فرنسي رفيع أن انعقاد مؤتمر دولي لدعم لبنان في المستقبل القريب بات مستبعداً.
وتسود الأوساط الفرنسية خيبة أمل متزايدة إزاء أداء القيادة اللبنانية في ما يتعلق بمستقبل الوجود الدولي في جنوب لبنان بعد انسحاب قوات اليونيفيل المقرر في ٣١ كانون الأول المقبل، والتأخر المستمر في تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية والمالية الضرورية لإطلاق عملية إعادة الإعمار وحشد الدعم الدولي لـ لبنان.
ماذا يريد لبنان من فرنسا؟
وكشف مصدر فرنسي رفيع أن انعقاد مؤتمر دولي لدعم لبنان في المستقبل القريب بات مستبعداً، في ظل غياب رؤية واضحة لدى المسؤولين اللبنانيين بشأن ما يريدونه من فرنسا في المرحلة التي ستلي انسحاب اليونيفيل من الجنوب.
وقال المصدر إن "المشكلة في اتخاذ القرارات هي في بيروت وليس في أي مكان آخر"، معتبراً أن القيادة اللبنانية لم تتخذ المبادرات المطلوبة، ولم تقدم إلى باريس أي اقتراح عملي بشأن القوة التي يمكن أن تحل محل اليونيفيل بعد انسحابها في 31 كانون الأول، أو الآلية الدولية التي يمكن اعتمادها للحفاظ على الاستقرار في الجنوب.
وأوضح أن الرئيس اللبناني جوزف عون طلب من الولايات المتحدة العمل على إبقاء اليونيفيل، وأيضاً رئيس الحكومة نواف سلام كان يردد خلال وجوده في نيويورك أن لبنان يتمنى استمرار هذه القوات. لكن المسؤولين اللبنانيين يدركون، بحسب المصدر، أن الإدارة الأميركية لا تريد استمرار اليونيفيل، وأنها تلقي مسؤولية هذا الموقف على الرفض الإسرائيلي.
والمثير للاستغراب، وفق المصدر الفرنسي، أن القيادة اللبنانية اكتفت بالمطالبة ببقاء القوة الدولية، من دون أن تطرح أي بديل لليونيفيل بعد انسحابها المقرر، أو أن تبادر إلى التشاور مع باريس بشأن تشكيل قوة دولية أخرى أو اعتماد صيغة جديدة للوجود الدولي في الجنوب.
خطة أُرسلت إلى سلام... ولكن!
وكشف المصدر أن باريس كانت قد أرسلت، قبل بضعة أشهر، خطة إلى رئيس الحكومة نواف سلام تتناول المرحلة المقبلة، لكنها لم تتلقَّ أي جواب من رئيس الحكومة اللبناني. ويعكس هذا الصمت، في نظر الجانب الفرنسي، غياب المبادرة اللبنانية في ملف بالغ الحساسية يتعلق مباشرة بأمن البلاد وسيادتها ومستقبل الجنوب.
وكشف المصدر أن محادثات جرت في باريس مع محاور إسرائيلي زار العاصمة الفرنسية، وتناولت، من بين المواضيع المطروحة، الملف اللبناني، ولا سيما التطورات في الجنوب ومستقبل الوضع الأمني فيه بعد انسحاب قوات اليونيفيل في ٣١ كانون الاول المقبل.
ولم يُخفِ الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خيبة أمله من هذا الموقف، إذ عبّر عنها أمام نظيره اللبناني جوزف عون خلال زيارته باريس للمشاركة في الاجتماع التحضيري لدعم الجيش اللبناني.
وتعتبر فرنسا، التي تقف إلى جانب لبنان منذ نحو خمسين عاماً، أن موقف القيادة اللبنانية مخيب للآمال، خصوصاً في مرحلة تتزايد فيها المخاطر على الجنوب. فالقناعة السائدة في باريس، بحسب المصدر، هي أنه إذا بقي بنيامين نتنياهو في السلطة بعد الانتخابات الإسرائيلية، فإن إسرائيل قد تواصل وجودها العسكري في الجنوب اللبناني لفترة طويلة، بما يؤدي إلى استمرار تهجير السكان من قراهم، بعدما اضطر عدد كبير منهم بالفعل إلى مغادرتها نتيجة العمليات العسكرية والدمار الذي لحق بها.
لا تستطيع باريس أن تحدد نيابة عن بيروت ما تريده للبنان
ومن هنا، ترى باريس أن غياب التحرك اللبناني لإعداد مرحلة ما بعد انسحاب اليونيفيل في 31 كانون الاول يثير تساؤلات جدية، لأن رحيل القوات الدولية من دون وجود بديل متفق عليه قد يترك فراغاً أمنياً وسياسياً في منطقة شديدة الحساسية.
ولا تقتصر خيبة الأمل الفرنسية على الملف الأمني، بل تشمل أيضاً البطء في تنفيذ الإصلاحات المالية والاقتصادية. وتتساءل الأوساط الفرنسية كيف يمكن حشد التمويل الدولي لإعادة إعمار لبنان، فيما لا تزال الإصلاحات الأساسية متأخرة، ولم يُقرّ قانون الفجوة المالية الذي يشكل أحد الملفات المحورية لمعالجة الأزمة المصرفية والمالية.
وتعتبر باريس أن المجتمع الدولي لا يستطيع الالتزام بمساعدات واسعة لإعادة الإعمار من دون خطوات لبنانية جدية تعيد الثقة بالمؤسسات والقطاع المالي، وتؤكد استعداد السلطات لتحمل مسؤولياتها.
ويشير المصدر إلى أن الجانب الفرنسي يشعر بأن المسؤولين اللبنانيين يتصرفون وكأن الولايات المتحدة ستتولى وحدها معالجة الملفات اللبنانية، من دون توجيه طلبات واضحة إلى فرنسا أو الاستفادة من استعدادها للمساعدة في البحث عن حلول.
لكن هذه المقاربة تثير استغراب باريس، خصوصاً أن الموقف الأميركي، وفق التقييم الفرنسي الذي ينقله المصدر، منحاز بالكامل إلى إسرائيل، ولا يوفر للبنان الضمانات التي يحتاج إليها في مواجهة استمرار الاحتلال الإسرائيلي لأجزاء من أراضيه.
وهكذا، تبدو خيبة الأمل الفرنسية مزدوجة: فمن جهة، غياب المبادرة اللبنانية بشأن مستقبل الجنوب بعد انسحاب اليونيفيل ، ومن جهة أخرى، استمرار التعثر في الإصلاحات التي تشكل المدخل الضروري للحصول على المساعدات الدولية وإعادة الإعمار.
والرسالة التي تنقلها الأوساط الفرنسية واضحة: لا تستطيع باريس أن تحدد نيابة عن بيروت ما تريده للبنان، ولا أن تتحرك وحدها لتأمين الدعم الدولي في غياب قرارات ومطالب لبنانية واضحة. فالمشكلة، كما يلخصها المصدر الفرنسي الرفيع، ليست في غياب الاستعداد الخارجي لمساعدة لبنان، بل في غياب المبادرة والقرار في بيروت.