25 جمادى الأولى 1448

الموافق

الجمعة 06-11-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

بأقلامهم بأقلامهم "حين ينتصر الضمير"!
"حين ينتصر الضمير"!
القاضي م جمال الحلو
2026-11-06
"حين ينتصر الضمير"!

ليست القيم النبيلة كلمات تُقال في المجالس، ولا شعارات تُرفع في المناسبات، بل مواقف حقيقية تكشف معدن الإنسان، ولا سيما حين تشتد حاجته، وتُتاح أمامه فرصة الحصول على ما ليس له، دون أن يراه أحد أو يحاسبه أحد.

كان ياسر شابًّا يواصل دراسته، ويعمل في أوقات فراغه في متجر قريب من منزله، ليساعد أمّه المريضة على تأمين ثمن دوائها. وكان يحرص، رغم ضيق ذات اليد، على ألّا يقصّر في رعايتها أو يؤخّر عنها ما تحتاج إليه.

وفي أحد المساءات الباردة، وبعد أن اشترى دواء أمّه من الصيدلية، كان عائدًا إلى منزله، حين لمح محفظة جلدية ملقاة عند الرصيف. التقطها، وفتحها بحثًا عن هوية صاحبها، فعثر فيها على مبلغ من المال، وبطاقة تعريف، وورقة صغيرة كُتب عليها: «ثمن دواء سلمى».

تأمل ياسر ما بين يديه، وأدرك أن المبلغ الموجود في المحفظة يكفي لشراء دواء أمّه لأيام مقبلة. وكان في أمسّ الحاجة إليه، فقد أثقل المرض كاهل أمّه، وأرهقت تكاليف العلاج إمكاناته المحدودة. لكنه سرعان ما أدرك أن وراء هذا المال إنسانًا آخر ينتظره، وأن الورقة الصغيرة لم تكن مجرد كلمات، بل كانت دليلًا على حاجة قد تكون أشدّ إلحاحًا من حاجته.

وفي تلك اللحظة، تذكّر وصية أمّه التي طالما ردّدتها على مسامعه: «يا بني، لا تجعل حاجتك سببًا في أن تزيد حاجة غيرك».

أطبق المحفظة، وقرّر أن يعيدها إلى صاحبها، ثم توجّه إلى العنوان المدون على بطاقة التعريف.

وحين وصل إلى المنزل، وجد رجلًا مسنًّا يقف عند بابه، يفتش جيوبه بقلق، وقد بدت على وجهه علامات الاضطراب والحيرة. تقدم ياسر منه، وسأله عن اسمه، فلما تأكد من أنه صاحب المحفظة، ناوله إياها.

تنفس الرجل الصعداء، وراح يتفقد ما فيها، ثم رفع رأسه إلى ياسر، وقال متأثرًا: «لقد أنقذتني يا بني؛ فهذا المال مخصص لشراء دواء ابنتي». وأخرج من محفظته ورقة نقدية ليكافئه على أمانته، لكن ياسر اعتذر بلطف، وقال: «لا أريد مكافأة، يكفيني أن يصل المال إلى صاحبته، وأن أكون قد أعدت إليك حقك».

عاد ياسر إلى منزله، وقد أنجز ما رآه واجبًا لا فضلًا يستحق عليه ثناءً أو مكافأة. وحين سألته أمّه عن سبب تأخره، أخبرها بما حدث.

نظرت إليه وسألته: «ألم يكن في المحفظة ما يكفي لشراء دوائي؟».

أجابها بهدوء: «بلى يا أمّاه، لكنه كان ثمن دواء لابنة رجل آخر. ولو أخذته لربحت أيامًا من الراحة، لكنني كنت سأخسر نفسي».

ابتسمت أمّه، وأمسكت بيده، ولم تقل شيئًا؛ فقد أدركت أن ابنها عاد إليها بما هو أثمن من المال، وبما لا تستطيع الأيام أن تنتزعه منه: قلب لم تفسده الحاجة، وضمير لم يساوم عليه العوز.

إن المواقف النبيلة لا تحتاج إلى ضجيج كي تترك أثرها، فقد لا يغيّر موقف أمين مجرى العالم، لكنه قد ينقذ إنسانًا من محنة، ويعيد الطمأنينة إلى قلب أنهكه القلق، ويمنح المجتمع سببًا جديدًا للثقة بين أفراده.

فالأمانة الحقيقية لا تُختبر حين نكون في غنى عمّا ليس لنا، ولا حين يكون ردّ الحق أمرًا يسيرًا لا يكلّفنا شيئًا، وإنما تُختبر حين تشتد حاجتنا، وتضيق بنا السبل، وتلوح أمامنا فرصة الاستفادة مما لا نملك، ثم نختار، رغم كل ذلك، أن نصون حقوق الآخرين.

فليس عظيمًا من يردّ الأمانة حين لا يحتاج إليها، بل العظيم من يصونها حين يكون في أمسّ الحاجة إليها؛ لأن المال قد يعوّض ما نفقده، أما الضمير إذا خسرناه، فلا شيء يعوّضه.

أخبار مماثلة