ليست أجمل لحظات الكتابة حين ينتهي الكاتب من نصّه، بل حين يقرأه أحدهم ويقول: «كأنك كتبت ما في داخلي».
في تلك اللحظة، يعرف الكاتب أن كلماته لم تعد تخصّه وحده. خرجت من تجربته، لكنها وجدت طريقها إلى قلب آخر؛ لامست ذكرى، أو عبّرت عن شعور مؤجل، أو قالت ما عجز قارئها عن قوله.
قد يكتب الإنسان عن الفقد، فيتذكّر قارئ غائبًا يسكن ذاكرته. ويكتب عن الصبر، فيرى فيه آخر حكاية أيامه. فالكلمات لا تحمل معنى واحدًا للجميع؛ يقرؤها كل شخص بعينيه، ويمنحها من تجربته معنى جديدًا.
وربما يظن الكاتب أنه يكتب عن نفسه، ثم يكتشف أن في حكايته شيئًا يشبه حكايات الآخرين. هنا تصبح الكتابة جسرًا بين قلبين، حتى لو لم يلتقيا. فالوجع حين يُقال بصدق، يجد من يفهمه، والفرح حين يجد لغةً تعبّر عنه، يتّسع ليشمل أكثر من قلب.
وحين يقول قارئ: «وجدت نفسي في كلماتك»، فهو لا يمدح النص فحسب؛ بل يخبر الكاتب أن كلماته وصلت إلى مكان عميق فيه. وربما يمنحه، من حيث لا يدري، سببًا جديدًا ليكتب.
فالكتابة لا تكتمل عند آخر سطر يكتبه الكاتب، بل عند ذلك المعنى الذي يكتشفه القارئ في قلبه. وأجمل ما تتركه الكلمات أن يجد فيها كلٌّ منا شيئًا عجز عن قوله.