عام >عام
متحف منير كسرواني التراثي ببلدة العيشية الجنوبية يقاوم الإهمال
الدولة غائبة عن الاهتمام بالسياحة والتراث في بلدات الجنوب
منير كسرواني: المتحف يضم 300 قطعة تراثية وهو لحماية إرث والدي
متحف منير كسرواني التراثي ببلدة العيشية الجنوبية يقاوم الإهمال ‎الأربعاء 6 كانون الثاني 2016 08:32 ص
متحف منير كسرواني التراثي ببلدة العيشية الجنوبية يقاوم الإهمال
منير كسرواني في متحفه الخاص

ثريا حسن زعيتر:

لا يزال الجنوب اللبناني يعاني من إهمال الدولة، امتداداً لسنوات الحرمان التي عاشها، رغم أنّ أبناءه قدّموا الغالي والنفيس في سبيل تحريره من الاحتلال الإسرائيلي، وها هم يعانون اليوم من قلّة الاهتمام بالسياحة، وخاصة ما يتعلق منها بالمتاحف والمبادرات الفردية...
وها هو إبن الجنوب الفنان منير كسرواني يجمع كل أدوات الجنوبي الفلاح والحرفي في متحفه النادر في منزله العتيق... في بلدة العيشية بقضاء جزين، والذي يفوق عمره الـ 70 عاماً، وقد ضم المتحف أكثر من 300 قطعة تراثية ليأخذنا إلى الحياة القروية الجميلة، إذ يحاول أنْ يجعله نافذة حوار ثقافي حضاري تراثي من نوع جديد يفتقده المجتمع اللبناني، دون أنْ ينسى الإطلالة على المنزل الطيني الذي هو رأسمال الأصالة الجنوبية...
ويندرج متحف كسرواني في إطار تعزيز ثقافة التراث، إذ يجهل أغلب زائري الجنوب معالمه التراثية وحتى متاحفه، ويكتسب أهمية خاصة كون الدولة غائبة كلياً عن الاهتمام بالتراث بدلاً من تعزيز هذا القطاع ودعمه حتى إنها لم تفكّر بإدراجه على خارطتها السياحية، رغم أهمية هذا العالم الثقافي الذي يعرّف "جيل اليوم" على ثقافة الفلاح والحرفي، والتي لولاها لما وصلنا إلى اليوم، في ظل "النت" والتكنولوجيا والعولمة وغزو الفضاء وفتح آفاق المستقبل...
"لـواء صيدا والجنوب"، حطَّ رحاله في متحف أسعد ومنير كسرواني التراثي في بلدة العيشية وجال في أرجائه باحثاً عن الماضي الجميل وذكرياته..

متحف... وأدوات

يشكّل متحف أسعد ومنير كسرواني التراثي في منزله الخاص الذي يفوق عمره الـ70 عاماً، والذي يضم أكثر من 300 قطعة تراثية علامة فارقة في بلدة العيشية - قضاء جزين، تلك البلدة الوادعة التي يقطنها 40 مواطناً فقط، إذ حوّلها إلى مزار يستعيد الماضي الجميل وسط الحاضر الذي يخطف الأبصار أمام سرعة التطوّر والتكنولوجيا كل يوم.
في أرجاء المتحف، تشعر بنمط آخر من المتاحف التراثية المنظّمة، فالفنان كسرواني يحاول أنْ يبث ثقافة جديدة في متحفه "الأصالة"، وأنْ يكون المتحف فريداً من حيث هندسته ومقتنياته، وأنْ يحفر كل قطعة بإسمها وتاريخها، وأقدم قطعة يفوق عمرها الـ 100 عام.
بابتسامته المعهودة دائماً، قال الفنان كسروني: "قبل 11 عاماً ولدت لي فكرة المتحف لحماية إرث والدي البيطري وحدّاد عربي ومعظم المتحف هو صناعة والدي، وقد شمل أكثر من قسم من الحدّاد العربي إلى قسم عدّة الفلاح والخوابي والخضّاضات "لصناعة الزبدة"، و"الكركة" إلى قسم "المونة" البلدية وآخر للملابس القديمة وأيضاً الحديقة التراثية".
وأضاف بشوق وحنين إلى الماضي: "يكتنز المتحف الكثير من القطع القديمة والنادرة من الجالوفة (للقمح عمرها 100 عام)، معاقيل، جلال حمار، المذراة القمح، الشاعوبة، الكركة لصناعة العرق وماء الزهر، خوابي فخارية عمرها 100 عام (تستعمل لخض اللبن وصناعة الزبدة)، الصمد (للفلاحة)، نير الثور، النورج (درّاسة القمح)، وينقسم المتحف إلى قسمين، واحد زراعي ويضم عدّة الفلاح، وآخر صناعي يضم حرفة الحدّاد العربي والبيطري أي عدّة والدي داخل هذا الجناح، وتم تعليقها بطريقة هندسية متقنة".

مزار... وسياحة

وتابع كسرواني بثقة: "أحب أن يكون هذا المتحف من أهم المتاحف التراثية في لبنان بكل ما يحتويه ومنها: بلطة صناعة والدي، نضوة، منجل، عدّة الحداد، مقص حديد، جهاز لصنع المسامير، سندان، مطرقة والفرن، نضوة سنبك، طسم موس الحلاقة (يسن الموس) فاروعة، فأس، عدّة البيطرة صنعت على يد والدي شاكوش خاص بالبيطرة، مْرَد، الإحف (أصابع خشبية يستخدمها الفلاح)، إنني أريد أنْ يتحوّل المتحف إلى مزار للطلاب ليتعرّفوا على أهمية الأرض وعلى التراث اللبناني والجنوبي ويعرّفهم على آلية عمل الحدّاد العربي، حرفة الحدادة التي كانت عصب الحياة القديمة آنذاك، وصولاً إلى نشر فكر ثقافي حيث يتوجّب على الدولة أنْ يكون لها دور، وتضع يدها معنا، لجهة توجيه السيّاح، للأسف يجول هؤلاء في الجنوب ولا يعرفون أين المتاحف، ولولا شهرتي الفنية لما وصل إليه أحد".
في المتحف... يمضي كسرواني وقتاً طويلاً يتجاوز العشر ساعات أحياناً في ترتيب أدواته مجدّداً، ذات الطابع القديم، وهو يوائم بين هذا الاهتمام وبين التحضير لعمل مسرحي جديد، يقول بأنّ "المسرح ينقل معاناة الواقع، والمتاحف تساهم في تنشيط السياحة التراثية في الجنوب، ويجب أنْ تدرج على الخارطة السياحية اللبنانية، لتجسّد نمط الحياة الجنوبية البسيطة انطلاقا من دور الفلاح الذي كان عبقريا يتكامل مع عدّة الحدّاد العربي من فرنه إلى السندان والمطرقة وقد جرى عرضها بطريقة مميّزة في غرفتين من الطين تشعر وكأنك في بيت قروي قديم أو في زمن السبعينات وكان فرن الحدّاد العربي الطيني الأجمل من بين تلك العدّة.
كسرواني يرتبط بعلاقة وطيدة مع متحفه الخاص، ويحرص على أنْ يكون فريداً ويأخذ منحى قروياً أصيلاً، ولكن السؤال هل يوجد مَنْ يدعم هذا النمط من المتاحف؟ يضحك كسرواني قائلاً: "ساهم مجلس الجنوب بمبلغ، ولكن الدولة غائبة وهي تهمل هذا القطاع، ولا يعني لها شيئاً، ولا يخطر على بالها، فالدولة بدل أن "تهدر المال طالع نازل" لمرّة واحدة تضع يدها في شيء ثقافي، وهذا يساهم في نشر الفكر ومدى تعلّقنا بتراثنا، يجب أنْ يكون الإنسان صامداً لأنه يعود للأصل لأننا متغرّبون بالكمبيوتر، الأب لا يعرف أبناءه، لا يوجد تواصل كل واحد يعيش لوحده، بينما داخل المتحف يتعرّف كيف كانت تعيش الناس".
لكن أحلام كسرواني تصطدم بواقع غير مبال، ليطرح السؤال: "هل يوجد مَنْ يهتم بالتراث في زمن "التغريبة" الثقافية؟، هل تقوم الدولة برعاية مثل هذه المتاحف التراثية التي تتوزّع في قرى الجنوب، كل يتخذ نمطا مغايرا وهدفا مختلفا؟، متى تدرك الدولة ذلك وتعتبره مدخلا أساسيا يساهم في تنشيط السياحة التراثية".

 

زائرة تجول في المتحف

أدوات الفلاح

 

كل قطعة بإسمها وتاريخها

 

قطعة تراثية

 

 

 

 

المصدر : اللـواء