عام >عام
جان عبيد "فخامة الحكمة"
جان عبيد "فخامة الحكمة" ‎الثلاثاء 9 شباط 2021 11:25 ص
جان عبيد "فخامة الحكمة"

هيثم زعيتر

قلما تجدُ إجماعاً حول شخصية سياسية، لكن النائب جان عبيد ممن كسر هذه القاعدة، حيثُ يحظى بإجماع من القوى المُتباينة في مواقفها السياسية، بما يُشكّل نقطة تلاقٍ تتجاوزُ الساحة اللبنانية إلى الإقليمية، بعلاقات دولية.
رحل الرجل الحكيم العاقل، في زمنٍ كثر فيه التقوقُع والعصبوية، الطائفية والمناطقية، التي كان يحرصُ "أبو سليمان" على استخدام كاسرة ألغامه لتذليل العقبات أمامها.
نجح في الكثير منها، بأسلوبه الدبلوماسي، مُستنداً إلى الحكم والأمثال العربية القديمة، التي حفظ منها الكثير، وزاد عليها خبرته الإعلامية، والحقوقية والسياسية، ما مكّنه من استثمار "كنز الموروثات" وترجمته بحل العُقد والوصول إلى خواتيم ناجعة.
المُثقف الضليع بالتعاليم المسيحية، جهد على نفسه بشؤون الإسلام، حتى حفظ القرآن عن ظـهر قلب، وتعمق في السيرة والحديث، فأضحى مُلماً بذلك، ما شكل انصهاراً لنموذج العيش الطبيعي في المنطقة العربية، التي كان يحلمُ أن يبقى لبنان مُتميزاً به.
تكثرُ الصفات التي يستحقها، العاقل الحكيم، الإنساني، المُثقف، الوطني بإمتياز ورجُل الدولة، الذي كان اسمه مُتلازماً مع كل استحقاق لرئاسة الجمهورية، فاستحق "فخامة الحكمة".
في اللقاءات المُتعددة مع الراحل جان عبيد، خاصة في مكتبه في منطقة سن الفيل - بيروت، حيث يعلو مكتبه الخاص الكتب بلغات عربية وأجنبية، نهل منها الكثير، تأنسُ بالاستماع إلى حديثه، ونظرته برؤية مُتقدمة ثاقبة، لتكتشف حبه العميق للبنان، وتتلمس أيضاً التصاقه بالقضية الفلسطينية والقضايا الوطنية والعربية.
يسرد لكواليس ما كان يُرافق الكثير من المحطات لتجارُب أكثر من 62 عاماً في حياته العملانية، من أصل 82 عاماً اتمها مع رحيله، سأذكر ثلاثة منها، كما رواها لي:
1- ارتبط بعلاقات وثيقة مع قادة الثورة الفلسطينية، منذ انطلاقتها مع الرئيس ياسر عرفات، واستمرت حتى اليوم مع الرئيس محمود عباس، وكيف كان ينشر البلاغات العسكرية في الصحف التي عمل بها.
عندما كان يتولى رئاسة تحرير جريدة "الأحرار"، ومع الإعلان عن استشهاد المُناضل جلال كعوش، بتاريخ 9 كانون الثاني/يناير 1966، بعد اعتقاله من قبل "الشعبة الثانية"، إثر تنفيذه عملية "بطولية" في منطقة الجليل في فلسطين المُحتلة، كتب مقالاً في جريدة "الأحرار" يتهمُ فيه "الشعبة الثانية" بتصفية كعوش داخل السجن، ومُطالباً بفتح تحقيق مع المسؤولين وإعادة تشريح الجُثة، ما أثار ضجة كبيرة. وجرى نبش القبر في مقبرة صيدا، وأجرى الكشف على الجثة الطبيب الشرعي الدكتور لبيب أبو ظهر، الذي أثبت في تقريره "أن كعوش تعرض للتعذيب، ما أدى إلى وفاته".
إثر ذلك أصر عبيد على تقديم استقالته من جريدة "الأحرار" وانتقل إلى "دار الصياد"، وهناك تعرف إلى "الرئيس) رفيق الحريري و(الوزير والنائب السابق) بشارة مرهج وفي "الحوادث" إلى معن بشور وآخرين.
2- "اتفاق القاهرة" الذي تولى فيه نقل الرسائل وبلورة الأفكار بين رئيس "مُنظمة التحرير الفلسطينية" "أبو عمار" وقائد الجيش اللبناني العماد اميل البستاني، حيث تمّ التوقيع عليه في القاهرة، بتاريخ 3 تشرين الثاني/نوفمبر 1969، لتنظيم العمل الفدائي الفلسطيني المُسلح في لبنان، بعد نكسة 5 حزيران/يونيو 1967، والانتصار الذي حققته الثورة الفلسطينية في "معركة الكرامة" في الأردن، بتاريخ 21 آذار/مارس 1968، قبل أن يتزوج جان عبيد من ابنة العماد بستاني، لبنى في العام 1970، حيث رُزقا بـ5 أولاد.
3- بعد تكليف الرئيس رفيق الحريري تشكيل الحكومة، اختار صديقه عبيد وزيراً للتربية الوطنية والشباب والرياضة في حكومته الثالثة، في عهد الرئيس الياس الهراوي، ومن ثم في حكومته الخامسة وزيراً للخارجية والمُغتربين في عهد الرئيس العماد إميل لحود.
في إحدى الجلسات همس الرئيس الحريري إلى الوزير عبيد، قائلاً: "لقد كنت رئيسي في "دار الصياد"، والآن أنا رئيسك في الحكومة، لكن ما بيلبقلك إلا أن تكون رئيسي"، في إشارة إلى رغبته ترشيحه لرئاسة الجمهورية، التي كان دائماً قريباً منها، واسمه متداول لها، ولم يُكتب لذلك النجاح، علماً بأنه أقام في القصر الرئاسي لفترة من الزمن مُستشاراً للرئيسين إلياس سركيس وأمين الجميل.
إثر رحيل أمين عام "مُنظمة العمل الشيوعي" سابقاً محسن إبراهيم، يوم الأربعاء في 3 حزيران/يونيو 2020، قصدت النائب عبيد يوم الثلاثاء (9 منه) لإعداد وثائقي عن الراحل، تحدث فيه عن علاقتهما، وهما اللذين يرحلان خلال فترة 8 أشهر، وبينهما رحل صديقهما المُشترك عضو المجلسين الوطني والمركزي الفلسطيني باسل عقل (2 كانون الأوّل/ديسمبر 2020)، وكأن رفقة العمر لم تهن عليهم بالغياب.
برحيل النائب عبيد، عشية عيد مار مارون، في ظل ظروف بالغة الدقة يمرُ بها لبنان، الأمل بأن يحل ولبنان بحالٍ أفضل، وتحقيق الأماني التي كان يحلم بها.
يُغمض عينيه بعد أن خطفه فيروس "كورونا"، لكن ستبقى ذكرى صاحب الابتسامة الدائمة، والمُبادر للاتصال والاطمئنان، الذي لا يخلو حديثه من تمرير نُكتةٍ لها وقعُها لدى الجميع.
نفتقد كبيراً عاقلاً، رجل دولةٍ من الطراز النادر، له بصمات دامغة في المحافل: الإعلامية، الحقوقية، السياسية، النيابية والوزارية، والتميز بصداقات صادقة محفورة في الوجدان، كما في تاريخ لبنان وفلسطين والعروبة.

المصدر : اللواء