عام >عام
حول رؤية هلال رمضان
حول رؤية هلال رمضان ‎الثلاثاء 13 نيسان 2021 08:11 ص
حول رؤية هلال رمضان

محمد السماك

أطلقت دولة الامارات العربية بنجاح قمراً اصطناعياً الى المريخ. المسافة بين الكرة الأرضية والمريخ تبلغ أضعاف المسافة بين القمر والأرض. القمر جارنا القريب نعرف عن جغرافيته أكثر مما نعرف عن جغرافية أعماق البحار والمحيطات التي تشكّل ثلاثة أرباع الكرة الأرضية.

أما المريخ فربما كان يوماً ما كالأرض، كوكباً تغمره المياه أنهاراً ومحيطات، عامراً بالحياة بكل أشكالها وأنواعها، قبل أن تصبح الحياة فيه الآن «أثراً بعد عين»!!

يعرف الإنسان ان هذه الكواكب هي جزء صغير جداً من مجرّة درب التبانة، وفيها ما لا يعدّ ولا يحصى من النجوم والكواكب. ويعرف الإنسان أيضاً ان في الكون ما لا يعدّ ولا يحصى من المجرات. {وإنا لموسعون}، يقول القرآن الكريم.

حركة القمر الصناعي الإماراتي محسوبة بالجزء من الثانية. منذ لحظة إطلاقه حتى لحظة وصوله الى مداره المريخي. هذا الانجار العلمي المتفوّق ليس غريباً عن عالمنا.

العالِم المصري ابن يونس هو الذي صحّح في ضوء حساباته الفلكية الدقيقة حول حركة الأجرام السماوية، المعلومات الخاطئة التي ورثها علماء الغرب عن علماء اليونان. ثم ان أول مرصد علمي حديث لمراقبة النجوم والكواكب في العالم أُقيم في بغداد. وأُقيم الثاني في سمرقند.

والمعلومات العلمية عن الكون التي شكّلت قاعدة العلوم الحديثة كان الفلكيون العرب والمسلمون مصدرها.

مع ذلك فاننا نقف مرتبكين أمام قضية رؤية هلال شهر رمضان!!

لا يعود هذا الإرباك في تحديد بداية شهر رمضان المبارك ونهايته، الى نقص في العلوم والمعارف. ربما يعود الى نقص في فهم مقاصد الشريعة الإسلامية.

إن النصّ القرآني نصّ إلهي لا يأتيه الباطل. وهو نصّ مقدّس. ونصّ ثابت لا يتغيّر ولا يتبدّل. ثم انه نصّ مطلق المعرفة.


أما فهم هذا النص فهو عمل إنساني. وكل ما هو إنساني مفتوح على الخطأ والصواب. ولذلك فهو فهم غير مقدّس، وهو كذلك فهم متبدّل ومتحرك مع تبدّل وتغيّر المعارف والعلوم.

عندما نزلت الآية القرآنية التي دعت المسلمين الى أن يصوموا لرؤية هلال شهر رمضان {صوموا لرؤيته}، كانت الرؤية بالعين المجرّدة. ولم تكن هناك وسائل أو أجهزة أخرى. اليوم تغيّر الوضع، أصبحت الرؤية حسابية. يعرف الإنسان متى تكون بداية الشهر القمري في جزء من الثانية. والمعرفة رؤية.

ليس معقولاً أن تطلق دولة الامارات بنجاح قمراً اصطناعياً الى المريخ وأن يقف المسلمون - بعد أسابيع قليلة من هذا الحدث العلمي المميّز - مربكين حول تحديد يوم بداية شهر رمضان الكريم؟!

إن العالم كله يعرف بدقة هذه اللحظة بموجب حسابات علمية ثابتة ومؤكدة. يعرف متى يبدأ وينتهي أي شهر قمري ولو بعد قرن من الآن.

قد يحجب الرؤية ضباب عابر. ولكن العلم الذي يخترق الآفاق، يبدّد في حساباته المعرفية الدقيقة كل أنواع الضباب. ويرى بعين (علمية) ثاقبة ما لا تراه عيون رجال طيّبين يقفون على شاطئ البحر منتظرين غروب الشمس لرؤية بداية (ولادة) هلال الشهر الجديد.

ثم ان الهلال لا يظهر نفسه لفئة من الناس، ويحجبها في الوقت ذاته عن فئة أخرى. وقد لا يكون بين هذه الفئة وتلك، سوى أميال قليلة تفصل بينهما؟!

كذلك فان أمماً عديدة أخرى من غير المسلمين تعتمد التقويم القمري وتحسب لبدايات ونهايات الأشهر بموجب حسابات علمية دقيقة تراعي الجزء من الثانية.

أن يختلف المسلمون في دولهم ومجتمعاتهم المتعددة حول قضايا سياسية وأمنية، فذلك أمر قابل للفهم والاستيعاب رغم انه أمر غير مقبول.

أما أن يختلفوا حول بداية الشهر القمري، متى يبدأ شهر رمضان ومتى ينتهي، فذلك أمر يتحدّى الفهم والاستيعاب.

المصدر : اللواء