عام >عام
رحيل رمزي كلارك نصير فلسطين والقضايا الوطنية والقومية
رحيل رمزي كلارك نصير فلسطين والقضايا الوطنية والقومية ‎الجمعة 16 نيسان 2021 09:14 ص
رحيل رمزي كلارك نصير فلسطين والقضايا الوطنية والقومية

هيثم زعيتر

 

شكّل رحيل الدكتور رمزي كلارك، وزير العدل الأميركي الأسبق في عهد الرئيس ليندون جونسون بين عامي 1966-1969، خسارة لقضيّةِ فلسطين والقضايا الوطنية والقومية ومُناهَضَةِ الاحتلال والحرب والامبريالية والعنصرية.

رحل مَنْ لم تُغيّره المناصب ولا المراكز، بل كان يُمارس قناعاته بكل جُرأة وشجاعة عن 94 عاماً.

لم يتوانَ عن الإسراع بتقديم استقالته من منصب وزير العدل، قبل تنصيب الرئيس ريتشارد نيكسون رئيساً للولايات المُتّحدة الأميركية.

رمزي كلارك، المولود بتاريخ 18 كانون الأوّل/ديسمبر 1927، وعلى الرغم من تقدّمه بالسن، إلا أنّه بَقِيَ صلباً.

اكتشفتُ خلال لقائي به، إثر زيارته إلى لبنان، وتكريمه من قِبل «مُنتدى العدالة لفلسطين الدولي»، الذي عُقِدَ في بيروت يومي 22-23 شباط/فبراير 2015، أنّه ما زال يتمتّع بذاكرة ثاقبة، وسرعة بديهة، وحنكة اكتسبها على مرِّ عقود أمضاها مُدرّساً ووزيراً ومُحامياً، في أكثر من محفل، وهو الذي دافع عن قضايا المظلومين، وفي مُقدّمهم أبناء القضية الفلسطينية والقضايا الوطنية، وكان دائم السؤال عن أخبار فلسطين ولبنان والعالم العربي.

من خلال المهام التي تولاها، عايش عن كثب الظروف التي تواكب كيفية إيجاد المخارج وتحريف القوانين، وإصدار ما يتلاءم مع الانحياز لصالح الكيان الإسرائيلي، وهو ما أثبتته الإدارة الأميركية على مر عقود من الزمن.

قاد تظاهُرات، وترأس حملات ومُلتقيات دولية ضد الحرب والاحتلال، والعدوان، والتدخّل الأجنبي في الدول العربية، حتى لو كان من الولايات المُتّحدة الأميركية، التي كان يوماً من الأيام وزيراً للعدل فيها، بعدما كان قد عُيِّنَ قبل ذلك نائباً لوزير العدل روبرت كيندي بين عامي 1961-1966 أيام حكم الرئيس الأميركي جون كينيدي.

أستاذ القانون الدولي في الجامعة، طبّق ما درّسه لتلامذته، الدفاع عن العدل في العالم، لأنّه «لا يُمكن أنْ أكون عادلاً بتولّي حقيبة العدل في واشنطن، وظالماً في القدس وغيرها من بلدان العالم» - على حد تعبيره.


وعلى الرغم من مركزه المرموق، وتقدُّمه بالسن، إلا أنّه بقي على تواضعه، فلم تكن تعني له الرفاهية شيئاً، بل كان يحرص على المُشاركة في المُؤتمرات والمُلتقيات التي تُعقَد في بيروت، دمشق، القاهرة، بغداد، الجزائر، تونس واسطنبول، قادماً بالطائرة بالدرجة السياحية.

انتُخِبَ رئيساً لـ«المُؤتمر العالمي لمُناهضة الإمبريالية العنصرية»، ورئيساً فخرياً لـ«المُنتدى العربي الدولي من أجل العدالة لفلسطين»، في دورته الأولى التي عُقِدَتْ في بيروت يومي 22-23 شباط/فبراير 2015.

دافع كلارك عن المُناضِل زياد أبو عين، خلال مُحاكمته في الولايات المُتّحدة الأميركية بعد اعتقاله من قِبل جهاز FBI في ولاية شيكاغو، بتاريخ 19 آب/أغسطس 1979، وإصدار «محكمة البداية» حُكمها بتاريخ 28 كانون الأوّل/سبتمبر 1979، بتسليمه إلى الكيان الإسرائيلي، ليس وفق إدانة سياسية، بل استناداً إلى اتفاقية تبادل المُجرمين، المُوقّعة بينهما، وسجنه في الزنزانة رقم 1413 لمدّة 3 سنوات، قبل تسليمه إلى سلطات الاحتلال الإسرائيلي، بتاريخ 12 كانون الأوّل/ديسمبر 1981، عن جريمة لم يرتكبها.

خلال مرحلة توثيقي لمسيرة الشهيد زياد أبو عين، حرصتُ على التواصل مع الوزير كلارك، من أجل توثيق شهادته، لجهة أسباب ودوافع قبول توكُّله عن زياد. أُتيحت لي فرصة أنْ ألتقي بالوزير كلارك، خلال زيارته إلى لبنان، وأجريتُ معه حواراً نشرته في كتابي «فرسان فلسطين»، بعنوان: «زياد أبو عين... شهيد الأرض والزيتون» من ص 146-150.

أجاب عن دوافع قبوله التوكّل عن زياد أبو عين، قائلاً: «ما صدر من حُكم في المحكمة الأميركية في شيكاغو، لم يكن بأنّ زياد أبو عين مُذنب أو بريء، بل حكمت المحكمة بتسليمه إلى سلطات الاحتلال الإسرائيلي حسب قوانين التبادل المُوقّعة بينهما، وهذه القضية وصلت إلى أعلى درجة من المُحاكمة في الولايات المُتّحدة الأميركية، حيث مثّل الحكومة الأميركية النائب الأوّل بولاية إلينوي - قسم شيكاغو توماس جيفرسون، وهو ما يُؤكد أنّهم كانوا يُولون هذه القضية أهمية كبرى، وما جرى الاعتماد عليه، هو تنفيذ اتفاقية «تبادل مُجرمين» مُوقّعة بين «إسرائيل» والولايات المُتّحدة الأميركية في العام 1963، ولقد وافقتُ على التوكّل عن زياد، لأنّني مُقتنع ببراءته، وعندما كُنتُ أقابله كان مُنشرحاً، لأنّه واثق من نفسه، بأنّه لم يفعل ما وُجِّهَ إليه من اتهام».

علماً بأنّ سلطات الاحتلال الإسرائيلي طالبت بمُحاكمته ليس كمُتّهم بالتفجير، بل كشريكٍ، على اعتبار أنّه كان قد زار الموقع الذي وُضِعَتْ فيه العبوة في منطقة طبريا، وبعد فترة انفجرت عبوة هناك وقُتِلَ فيها إثنان من الإسرائيليين، لذلك حتى الكيان الصهيوني عندما أثار القضية، أثارها بأنّه ليس مُتّهماً بوضع العبوة، لكنّه ساعد في قتل إسرائيليين، وأنا مُتأكد من أنّ زياد لم يقم بالمُشاركة في تفجير العبوة، وما أكد ذلك هو الوثائق التي حصلنا عليها من الضفّة الغربية، بأنّ زياد في يوم وقوع هذا الانفجار، كان مع زوجة شقيقه التي وضعت مولوداً، وكان ذلك بتاريخ 14 أيار/مايو 1979 (ذكرى النكبة)، وهو ما ثبت من إدارة المُستشفى في رام الله والشهود، الذين أكدوا ذلك، وهو ما يُثبت أنّه بريء، لكن الحكومة الصهيونية كانت تُريد إحضاره إلى الأراضي الفلسطينية المُحتلة - على الرغم من القناعة بأنّ لا علاقة له بالعبوة - لأنّها كانت تريد من ذلك مُضايقته، وتخويف الفلسطينيين في الأراضي الفلسطينية المُحتلّة من الذهاب إلى الولايات المُتّحدة الأميركية.
لقد كان دفاعي عن زياد لإثبات العدالة ببراءته، لكن المحكمة الأميركية كانت تتّخذ قراراً سياسياً، بتنفيذ اتفاقية التبادل مع الكيان الإسرائيلي، وأثناء وجودي في بهو المحكمة، جاءني أحد القُضاة فيها، وقال لي: "كيف لك أنْ تُدافع عن هذا الشخص، هذه القضية ضد مصالح الولايات المُتّحدة الأميركية، وأنتَ وزير عدل سابق؟"، فأجبته: "أنتَ مُتحيّز، وكيف تحدّثني بهذه اللهجة؟! أنا مُتحيّز إلى العدل والعدالة، لذلك وافقتُ على أنْ أُدافع عن هذا الشخص، لقناعتي ببراءته، وأنّ سلطات الاحتلال الإسرائيلي تريد مُحاكمته سياسياً، والضغط وتخويف الفلسطينيين من الذهاب إلى الولايات المُتّحدة الأميركية".
واستطرد الوزير كلارك بالقول: "على الرغم من كافة الضغوطات والاتصالات التي جرت على أكثر من صعيد، إلا أنّ الإدارة الأميركية اتخذتْ قراراً بتسليم زياد إلى سلطات الاحتلال الإسرائيلي - علماً بأنّنا قدّمنا بتاريخ 17 أيلول/سبتمبر 1980 استئنافاً - وجرت مُناقشة القضية أمام محكمة الاستئناف المُكوّنة من 3 قضاة، لكن الحُكم السياسي كان قد صدر، مع أنّنا أعددنا ملفّاً ضخماً من الوثائق التي تُثبِت أنّ هناك صراعاً سياسياً بين فلسطين والكيان الإسرائيلي، وأنّ القضاء الإسرائيلي يُمارس التمييز العنصري ضد العرب، وأنّ الحُكم العسكري في "إسرائيل" يُمارس سياسة التعذيب ضد السجناء العرب، وهو ما يقتضي عدم تسليمه إلى سلطات الاحتلال الإسرائيلي، لكن القرار اتُّخِذَ بتسليمه، الذي تمَّ مساء يوم السبت في 12 كانون الأول/ديسمبر 1981".
وتابع: "لقد أراد زياد أبو عين من خلال وجوده في الزنزانة رقم 1413 في "سجن شيكاغو" تحويلها إلى قضية رأي عام، ليبيّن مظلومية الفلسطيني ومُمارسات الاحتلال الإسرائيلي بحقه، وهو نجح في ذلك، حيث استحوذت هذه القضية على اهتمام القيادات السياسية والمسؤولين في العالم ومُختلف وسائل الإعلام، وشكّلت تعاطفاً مع القضية الفلسطينية".
جاء القرار الأميركي بتسليم زياد إلى سلطات الاحتلال - على الرغم من الضغوط العربية والدولية وعدم وجود أدلّة، وأنّ الرئيس جيمي كارتر كان في سُدّة رئاسة الولايات المُتّحدة الأميركية، وهو مَنْ قام بتوقيع "اتفاق سلام" بين مصر والكيان الإسرائيلي، لكنّه وافق على قرار تسليم زياد إلى الكيان الإسرائيلي، وهو ما يُشكّل ضربة قوية إلى مسعى السلام الذي كانت تتحدّث عنه الإدارة الأميركية.
بشأن ذلك، أكد الوزير كلارك أنّ "هناك درجة أعلى في المحكمة، وهناك فرق في الولايات المُتّحدة الأميركية بين النظام الرئاسي ونظام العدل، فما تقوم به الإدارة الأميركية من علاقات، مُنفصل عن المحكمة، وحتى عندما سُلّم زياد إلى سلطات الاحتلال الإسرائيلي، ليس لأنّه مُتّهم، بل وفقاً لقانون التبادل بين الولايات المُتّحدة وإسرائيل".
وشدّد وزير العدل الأميركي الأسبق على أنّ "حكومة الاحتلال الإسرائيلي لا تتبع القوانين، لذلك يُمكن أنْ تقوم بأي شيء، واغتيال زياد أبو عين من قِبل سلطات الاحتلال الإسرائيلي في يوم "حقوق الإنسان العالمي" في 10 كانون الأول/ديسمبر 2014، ليس مُستغرباً على السلطات الصهيونية القيام بمثل هذه الجرائم، وأنا كما دافعتُ عن زياد خلال توقيفه في الولايات المُتّحدة الأميركية، ومُستعد للدفاع في قضيّته الآن، على الرغم من أنّني مُتقدّم في السن، ويُمكن للمحكمة في الضفّة الغربية التابعة للسلطة الفلسطينية - حيث وقعت الجريمة - القيام بمُحاكمة قتلته، ويُمكن أنْ يتم الذهاب بهذه القضية إلى "المحكمة الجنائية الدولية" ليُحاكم المُتسبّبون بها، سواء في مقتله أو إصابته، لكن يجب أنْ تقوم بتقديمها جهة رسمية، وهي السلطة الوطنية الفلسطينية، لأنّه ليس بمقدور الأفراد تقديم هذه الشكوى إلى "المحكمة الجنائية الدولية"، وقد تمَّ قبول عضوية فلسطين فيها، بعد دخول دولة فلسطين إلى الأُمم المُتّحدة.

حقّق الوزير كلارك إحدى أمنياته بدخول فلسطين إلى «المحكمة الجنائية الدولية»، بعدما أصبحت عضواً في «ميثاق روما»، وإعلان المدعية العامة للمحكمة الجنائية الدولية فاتو بنسودا فتح تحقيق بجرائم حرب ارتكبها الاحتلال ضد فلسطينيين في الأراضي الفلسطينية المُحتلة، ما يُهدّد مسؤولين إسرائيليين بسوقهم إلى المحاكمة في لاهاي.

ويقول كلارك عن النضال من أجل الدخول إلى «المحكمة الجنائية الدولية»: «لقد حاولنا في السابق الدخول   إلى «المحكمة الجنائية الدولية» على الرغم من عدالة القضية الفلسطينية، إلا أنّنا لم نستطع الدخول إليها، لأنّ فلسطين في ذلك الوقت لم تكن دولة عضواً في الأُمم المُتّحدة، الآن هي دولة عضو، وتحق لها المُطالبة بالكثير من الحقوق، وهي خطوة ممتازة وجريئة، استطاعت فلسطين أنْ تقوم بها، لأنّها تحدّت الكثير من العوائق التي وُضِعَتْ في طريقها، وهذه الخطوة ستخدم القضية الفلسطينية في المحافل الدولية، وهي فقط بحاجة إلى تجهيز الوثائق التي تُقدّم إلى المحكمة، ولا تختلف عن أي محكمة أخرى، وأعتقد بأنّ الوفد الفلسطيني مُسلّح بالوثائق اللازمة لإدانة الكيان الصهيوني على جرائمه».

وقدّم الوزير كلارك كل ما وسعه لدعم عدالة القضية الفلسطينية في شتى المجالات التي يمكنه ذلك.

برحيل الوزير كلارك تخسر القضية الفلسطينية والقضايا الوطنية والقومية مُناصراً مُدافعاً عن عدالتها، وسيبقى اسمه مغروساً كزيتون فلسطين في أرض إسراء الرسول محمد صلى الله عليه وسلم والمعراج ومهد السيد المسيح عليه السلام وعقول المُناضلين وذكريات الأحرار الميامين.

المصدر : اللواء