عام >عام
حليب إسرائيلي في بيروت
حليب إسرائيلي في بيروت ‎الخميس 16 كانون الثاني 2020 09:48 ص
حليب إسرائيلي في بيروت

روني ألفا

بقرتان دَخَلتا مساءَ أمس الأول من فلسطين المحتلة عبر الشريط الشائك. غافَلتا راعيهما بحثاً عن المغامرة والمَرعى في لبنان. لغمٌ أرضي اصطاد إحداها. البحث جارٍ عن البقرة الثانية. إذا كانت حلوباً ستدرُّ حليباً صهيونياً وستكون محرَّمة على اللبنانيين. بقرةٌ تائهةٌ عن قطيعها في فلسطين تسللت إلينا تحت جنح الظلام. بلادُنا احرقَ فيها الزعماءُ الأخضر واليابس. لا طعامَ فيها يكفي للبشر فكيف للبقر؟

فكرةٌ مبتكرة. قطعُ الشوارع بالبقر. إعفاءُ مستوعباتِ النفاياتِ والسواترِ من مشقةِ هذه المهمة الحساسة. ثلاثُ أبقارٍ حلوب على جسر الرينغ كفيلة بإقفاله لمدة طويلة. أربعُ أو خمسُ قِطعانٍ مماثلةٍ ونصبحُ مرعى بقر شرعي ومرخَّصاً من مسلخ الدولة المركزي. خُوارُ هذه الحيوانات أصدقُ إنباءً من الطناجِر. حليبٌ بلا رَوبةٍ سيكونُ بمتناولِ كل المتظاهرين إلى أي طائفةٍ انتموا. حليبٌ عابرٌ للطوائف. غذاءٌ كاملٌ للوحدةِ الوطنية والسلمِ الأهلي. المطلوبُ فقط حلّابات لتأمينِ الغذاء. الثورةُ لا تحبُّ حليبَ البودرة.
عِجلٌ مسمَّنٌ متوقّعٌ ولادته من إسطبل السياسةِ اللبنانية. حكومَةٌ يُحكى أنها ستسرحُ وتمرحُ في القريبِ العاجل في أزقةِ أوجاعنا. حقائبها السيادية موزعةٌ بعدل الطوائف وقسطاسِ المذاهب. بعضُ أسمائها ينقصها لَمعان. قليلٌ من دهن اللوز كفيلٌ بإتمام المهمة. لا نعلمُ حتى الآن كيف سيواجهها الثوار. أوَّلُ تجربةٍ ثوريةٍ في حلبةِ حكومةِ ثيران. ثورٌ ينطحُ ثورة. سنشتاقُ لمفرداتٍ تعوّدنا عليها. " هيلا ". " كلُّن ". ربما تضعُ الثورةُ ربطةَ عنق. ضرعُها حلوبٌ وحالِبوها كُثُر!

ليس بعيداً عن ڤيردان وشارع الحمرا وُجِدَت قنينةٌ من حليبٍ آخَر. مُبَستَرٌ على الطبيعة وكاملُ الدسم. حليبُ السِّباع. اجترعه الرئيس الحريري جرعةً واحدةً وبقَّ بحصةَ " التيار". صرّحَ أنه ليس موظفاً عِنْدَ أحد. ربما تدفعُ السيدة خريش نائبةُ رئيسِ التيارِ الوطنيِّ الحر رئيسَ حكومةِ تصريفِ الأعمال إلى إعادةِ النظرِ بحماسته للعدالة الجندرية. إستثناء كل سيدة يقال عنها " إخت الرِجال " في أي حكومة يترأسها.

في هذا الوقت الضائع يدخلُ يان كوبيتش منسّق الأمم المتحدة في لبنان على خط الإنقسام العمودي. يان يشيطِنُ السياسيين ويضعُ رياض سلامه في مصاف الملائكة المجنَّحة. سلامه يعمل للإنقاذ والسياسيون يتفرّجون. قد يكون الدبلوماسي السلوڤاكي على حق إنما لا بد من التنويه أنه تحوّل في وقتٍ قياسي إلى سياسي لبناني مخضرم. مع قليل من الأنتينات سيتحوّل إلى منافس جدي لبك المختارة.

تبقى تعويذةٌ. مَن هم أبطالُ غزوة شارع الحمرا مساء أول من أمس؟ من هم أبطال ثكنة الحلو وكورنيش المزرعة؟ أحجية. الثوار غسلوا أيديهم من هذا الصدّيق. الرئيس برّي دانَ الغزوة وجدَّد تعلّقه بوحدة العاصمة. حزب الله استنكر ما حدث. الرئيس الحريري تحدّث عن كيلٍ طَفَح. وحده السفير الروسي لم ينطق ببنت شفة. قنبلة غاز مسيّلة للدموع دخلت دارته عن طريق الخطأ. أفراد غير مسجَّلين في لوائح الشّطب هشّموا الشوارع. لا أسماءَ لهم. نحَروا أجمل أوردةِ المدينة. اغتالوا العشقَ المتبقّي للحياة في بيروت.

ختامها كان مسكاً. الطيرانُ الإسرائيلي حلّقَ على علوٍ منخفضٍ فَوْقَ الجنوب مروراً بالعاصمة بيروت. غالباً ما تَكُونُ المناورةُ وراءَ التحليقِ المُعادي. هذه المرّة كانَ للتحليقِ سببٌ آخَر. البحثُ عن بقرةٍ صهيونيةٍ دخلت لبنان عبر الشريطِ الشائك. المعروف عن العدو الإسرائيلي أنه لا يتركُ أبقارَه. قريباً وتحتفلُ البقرةُ العائدةُ إلى مرعاها في فلسطين المحتلة برجوعها سالمةً.
أما نحن فسنكون على أهبةِ ركلِ سطلِ الحليب ما أن يمتلئ. هذا إختصاصنا. هذا نحن.

المصدر : "ليبانون ديبايت"