عام >عام
"ترويدة الشمالي"... مُقاومة شوق وتحذير - هبة محمد إسماعيل
"ترويدة الشمالي"... مُقاومة شوق وتحذير - هبة محمد إسماعيل ‎الجمعة 28 أيار 2021 15:43 م
"ترويدة الشمالي"... مُقاومة شوق وتحذير - هبة محمد إسماعيل

هبة محمد إسماعيل

يُحاكي الكلام المكتوب شعراً أو غناءً الكثير من المشاعر والحالات العاطفية المُختلفة التي يعيشها الإنسان، وغالباً ما تكون كناية عن مشاعر الحب والشوق أو الحزن، كما يُمكن أيضاً أن تكون ثورية وطنية تُعبر عن الانتماء وحب الوطن.

لكن أسمعت يوماً أغنية تعبر عن حقيبة كاملة لكافة المشاعر المذكورة أعلاه، وأكثر، تحمل بين أحرفها وموسيقاها كماً من القصص الحقيقية المُختلفة، تحكي الشوق والحب، الأمومة والأخوة، المُقاومة والانتماء وحب الوطن، الحزن والرثاء، الصمود والألم.

ليس هذا فقط، بل أيضاً ترسل من خلال أحرفها وطريقة القائها رسائل تحذيرية للمُقاومين الصامدين، وللأسرى خلف قضبان الطغيان. 

إنها "ترويدة الشمالي"، الأغنية التراثية الفلسطينية، غنتها مجموعة من النساء الفلسطينيات، خاصة أمهات الأسرى، نسجت كلماتها من شوق الأمهات لفلذات أكبادهن، تحمل هذه الأغنية في مضمونها معانٍ مختلفة من الحزن والشوق والحب والألم.

خطت كلمات هذه الأغنية بطريقة تبدو وكأنها غير منسقة، وعند سماعها تشعر وكأنها "تعويذة"، لكن الحقيقة وراء هذا النمط الغريب هو أنها كانت تستخدم قديماً في الرسائل بين المُقاومين والمُعتقلين وأمهاتهم، لعدم رغبتهم بأن يفهم المنتدب البريطاني أو المُحتل الإسرائيلي رسائلهم أو يتتبع أخبارهم، وتحديداً لو كانت معلومات عن عملية ما أو فعل متعلق بالمُقاومة.

كانت بداية هذه الترويدة عام 1936 مطلع الثورة الفلسطينية الكبرى عندما عمد الانتداب البريطاني إلى قطع كل أساليب التواصل بين الثوار وبين القُرى ومحيطها، عندئذٍ ابتكرت النسوة طريقةً لإيصال الأخبار إلى الثوار بتشفير الغناء وكانت تلك الطريقة تعرف باسم "الترويدة"، تقوم على قلب أحرف الجملة أو قلب الحرف الأخير من كل كلمة.

شاعت هذه الكلمات في الأغنيات الفلسطينية وتحولت العبارات المُشوشة إلى جزء من الأغنية الفلسطينية التي نجحت في نقل أحداث القضية وأدق تفاصيلها لحفظها وتذكير العالم دائماً بما مضى.

تقول هذه الأغنية:

وأنا ليليلبعث معليلريح الشمالي لالي يا رويللووو

"وأنا الليلة لبعث مع الريح الشمالي"

ياصليلار ويدورليللي على لحبيليلابا يا رويللووو

"يوصل ويدور على الحباب يابا"

يا هللوا روح سلللملي على للهم يا رويللووووو

"يا هوا روح سلملي عليهم"

وطالالالت الغربة الليلة واشتقنا ليلي للهم يا رويللوووو

"وطالت الغربة واشتقنا لهم"

يا طيرلرش روح للي للحباب واصلللهم يا رويللوووو

"يا طير روح للأحباب ووصل لهم"

فكانت النساء عندما يمر شاب من الثوار يبدأن بالغناء بتلك الطريقة لإعطائه الأخبار وإيصال الرسائل، واستمر التعامل بها حتى بعد النكبة وبعد إنطلاقة الثورة الفلسطينية في الخارج.

ولا زال حتى الآن الكثير من أهالي المُخيمات يتحدثونها بطلاقة لكي لا يفهم كلامهم الغريب عنهم ويخبر أجهزة الأمن بتحركات الفدائيين، ولم تسلم الأعراس منها، بل كان لها نصيباً من هذه الترويدة المُشفرة.

73 عاماً من الاحتلال، لم يكسر عزيمة هذا الشعب يوماً واحداً، بل جعله أكثر ابداعاً في المُقاومة، شعب يقاوم بالقلم والفكر والغناء والحجر والسلاح، شعب استغل كل الوسائل المتاحة بين يديه ليصمد ويقاوم ويتصدى لسائر أشكال العُدوان.

حاول الكثيرون أن يكموا أفواه كل من يناصر القضية الفلسطينية، لكن مع ذلك وحتى يومنا هذا، وفي اللحظة هذه لا يزالون يقفون وجهاً لوجه بدم بارد وقلب كالحجر في وجه الكيان المُجرم الذي لم يجرأ قادة العالم الكبار وسادة الأمة على أن يفعلوا ما فعله الصغار من شعب الجبارين، الشعب الفلسطيني العظيم.

دعم القضية الفلسطينية بكافة الوسائل هو دليل على عدالة هذه القضية، وعلى الحق الثابت الذي بات قريباً جداً تحصيله، ودليل على أن فلسطين ستبقى حاضرة في الأذهان والقلوب رغم أنف الحاقدين ورغم كافة تقلبات الظروف التي تمر بها الأمة، ورغم كل من طبع وساوم وباع، فالحكاية مُستمرة ولم تنتهي بعد، هذه بداية النهاية، سخروا طاقاتكم في سبيلها، قاوموا بالكلمة بالأغنية بالرسمة بالحجر والسلاح. 

قاوموا، فالنصر آت لا محالة.

 

المصدر : جنوبيات