عام >عام
"قرص الشمس".. لذة متجددة وتراث مستدام - وفاء ناصر
"قرص الشمس".. لذة متجددة وتراث مستدام - وفاء ناصر ‎الأحد 25 تموز 2021 13:43 م وفاء ناصر
"قرص الشمس".. لذة متجددة وتراث مستدام - وفاء ناصر


منذ سنوات خلت وبعدما سئم الأفراد صخب الحياة العصرية ونمطية ادواتها ومظاهرها ارتأوا ان يعودوا إلى بعض عناصر تراثهم المادي التي لا تؤثر على مسار التقدم الثقافي الذي تبنّوه وقطعوا اشواطا فيه تحت عنوان اللحاق بركب العولمة والحداثة. 

لا سيما تلك العولمة الثقافية التي جهدت لإظهار محاسنها عالميا دون ان تتمكن من إخفاء نواياها الاستعمارية. إذ أن الدول القوية المهيمنة سعت الى فرض ثقافتها الغربية وإجبار شعوب الدول الأخرى على تبنيها بأساليب محنكة. بحيث ان الوافد من العادات بات عنصرا مريبا ومستهجَنا يهدد منظومة القيم والعادات والتقاليد. وأضحت الإشكالية تتمحور حول قدرة التراث الشعبي على تحصين نفسه ومجابهة التمدد الثقافي الغربي الجديد.

والمفارقة أن التراث الغذائي والأطعمة الخاصة بكل بلد تحوّلا إلى ميزة ثقافية مادية تنفرد بها عن غيرها من البلدان. وبعدما تمكنت من حجز مقعدا مشرفا عالميا على الموائد الفخمة لا تنفك تسعى للحفاظ عليه وتطوره على مرأى من إعلام الصورة العابر للحدود المكانية والزمانية. حتى أن بعض اصناف الاطعمة والمكونات كانت تتعرض لسرقة هويتها الثقافية والحضارية من قبل بلد آخر كونها كانت تحظى بإقبال عالمي ورضى جامع لمذاقها المميز، بيد انها كانت تصطدم بالفشل لان الأطعمة التقليدية هي مكوّن ثقافي لا يمكن فصله عن بيئة وثقافة وحضارة مجتمع ما. وهي تعكس هوية الأفراد ونمط حياتهم.

واذا عدنا إلى تراثنا الشعبي لا سيما القروي، تتسلل رائحة قرص الشمس الذهبي منه وتستثيرنا لتذوقه رغيفا ساخنا مع اللبنة البلدية المشبعة بالزيت أو منقوشة تتلألأ مكوناتها فوق الصاج الساخن، وما بالك ان كانت منقوشة زعتر او منقوشة كشك تعبقك برائحة الماضي وصور الحياة القديمة.

 إلى فرنها المتواضع، تشدّك تلك الرائحة الجميلة صباحا ومساء لتذوق منقوشة ساخنة على الصاج وللظفر برغيف "الجريش". تفرد ابتسامتها وتطلق العنان لكلامها العذب ليقوم بمهمة الاستقبال. عبارات رسمية مقتضبة مع الغرباء وأخرى أكثر سلاسة وعفوية مع الزبائن الدائمين بالتزامن مع تنفيذ الطلبية. يداها الرشيقتان تتنقلان بخفة ورشاقة فلا المنقوشة تحترق ولا أطراف أناملها.

اعتادت سماهر على ممارسة هذه المهنة منذ أكثر من عقدين، كانت تساعد والدتها وما لبثت أن توارثتها فأبقت ابواب الفرن مشرعة أمام محبي خبز الصاج وعبق التراث اللبناني.

لا تجد ابنة بلدة رومين التي تقع ضمن قضاء النبطية صعوبة في هذا العمل الذي اعتادت عليه. وهي إذ تبوح بكونه متعبا ويستنزف كل وقتها، تتغنى بنكهة الارغفة التي تخبزها على الصاج وطعم مناقيشها اللذيذ وشكلها الصغير، وتقول "كل الناس بينبسطو بعجينتي، كل منقوشة متل التانية. وحتى لو الشخص تأخر ليزورني مرة لما ياكل المنقوشة بلاقيها نفس الطعمة." 

لا عجب ان تتشابه نكهة المناقيش ما دامت سماهر "لا تغش" في المكونات. وحتى في ظل غلاء المواد الأساسية تسعى إلى المحافظة على "الخلطة الأصلية".

كل من تذوق المنقوشة او المشطاح مرّةً "بيرجع يزورني عالأكيد، حتى عابر السبيل". عجينتها العابرة للمناطق اللبنانية تتردد أصداؤها في بلاد الاغتراب.

 فزبائن "فرن الحبايب" او "فرن سماهر" كما يحلو لهم تسميته  يترددون إليه من كل المناطق المجاورة حتى البعيدة منها كمدينة بيروت والنبطية. والملفت ان المغتربين حينما يقصدون الوطن يتزوّدون بخبزها ومناقيشها ليس فقط لتلبية استهلاكهم الشخصي في الخارج وإنما يضعون في الحسبان رغبة جيرانهم وأصحابهم المشتاقين لنكهة لبنان.

 

 

 

 

 

 

المصدر : جنوبيات