عام >عام
الراعي اعلن عن الميثاق التربوي الوطني: هدفه المحافظة على هوية لبنان الحضارية ونود أن يشمل كل شبيبة لبنان من مختلف الانتماءات
الراعي اعلن عن الميثاق التربوي الوطني: هدفه المحافظة على هوية لبنان الحضارية ونود أن يشمل كل شبيبة لبنان من مختلف الانتماءات ‎الأربعاء 1 تموز 2020 12:38 م
الراعي اعلن عن الميثاق التربوي الوطني: هدفه المحافظة على هوية لبنان الحضارية ونود أن يشمل كل شبيبة لبنان من مختلف الانتماءات

جنوبيات

أعلن البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي عن "الميثاق التربوي الوطني الشامل"، اثر انتهاء اجتماع مجلس المطارنة الموارنة الذي انعقد في الصرح البطريركي في بكركي، و جاء فيه:

ملخص
الرسالة العامة التاسعة
للكردينال مار بشاره بطرس الراعي
بطريرك أنطاكية وسائر المشرق
"الميثاق التربوي الوطني الشامل: شرعة الأجيال اللبنانية الجديدة"
إلى إخواننا السادة المطارنة
والرؤساء العامين والرئيسات العامات والكهنة والشمامسة والرهبان والراهبات، وسائر أبناء كنيستنا المارونية وبناتها في لبنان والنطاق البطريركي وبلدان الانتشار الأحباء السلام بالرب والبركة الرسولية

المقدمة
1. "ميثاق تربوي وطني شامل" هو موضوع رسالتي الراعوية العامة هذه، في مناسبة الذكرى السنوية التاسعة لخدمتي البطريركية، وقد بدأتها في الخامس والعشرين من شهر آذار 2011، عيد بشارة الملاك لمريم العذراء، باختيار آباء سينودس كنيستنا المقدس وبإلهام الروح القدس.
2. إن لفظة ميثاق تحتوي على بعدين: روحي واجتماعي. الروحي هو العهد الذي قطعه الله مع شعبه، ليكون في شركة خلاصية معه: "أكون لكم إلها، وأنتم تكونون لي شعبا" (لاويين 12:26). والاجتماعي هو اتفاق بين أشخاص يلتزمون بقضية مشتركة، مثل الميثاق الوطني الذي أراده اللبنانيون سنة 1943 خلاصة تاريخ مشترك من تجربة العيش المسيحي- الإسلامي، وتكريسا لثوابت ثلاث: الحرية، والمساواة في المشاركة، وحفظ التعددية... وأرادوه كقاعدة لتأسيس دولة تحقق أماني اللبنانيين جميعا، وتبعدهم عن المحاور والصراعات؛ وكأساس لبناء علاقات هذه الدولة مع الخارج، المدعو إلى الاعتراف بخصوصية لبنان" (المذكرة الوطنية، صفحة 9 و 10).

يتناول هذا الميثاق خمسة: مقتضى "الميثاق" وأهدافه، ظروفه، رؤيته، رسالته، جهازه التنفيذي.


الفصل الأول
مقتضى الميثاق وأهدافه
4. بمناسبة المئوية الأولى لإعلان دولة لبنان الكبير، وحفاظا على كيانه وخصوصيته ورسالته وعلى شعلة الرجاء بالتغيير وتعميق الانتماء الوطني الجامع التي أضاءتها منذ 17 تشرين الأول 2019، الثورة الإيجابية، الحضارية، التي جمعت أجيالنا اللبنانية الطالعة من كل المناطق والطوائف والمذاهب والانتماءات؛ ومن وحي ميثاقنا الوطني لعام 1943؛ واستلهاما من "الميثاق التربوي الشامل" الذي أعلنه قداسة البابا فرنسيس، في 12 أيلول 2019؛ واستنادا إلى مختلف الوثائق والرسائل التي أعلنتها منذ تولي السدة البطريركية؛ رأيت بعد التشاور مع إخواننا السادة المطارنة والرؤساء العامين والرئيسات العامات، إنشاء "ميثاق تربوي وطني شامل"، يكون في عهدة البطريركية المارونية التي تنسقه وتسهر عليه مع الأبرشيات والرهبانيات ومختلف المؤسسات. وذلك من أجل المحافظة على هوية لبنان الحضارية وتعزيزها، ما يؤول إلى تلبية مطالب الشعب اللبناني خاصة، وإلى تفعيل إيجابيات الثورة، وحماية جوهرها وأهدافها من التيارات السلبية عامة. ويجدر التذكير بأن لفظة "ثورة" تعني "ثورة على الذات" في مفهومها الروحي، لكي تتمكن من أن تكون ثورة اجتماعية بناءة.

5. يهدف هذا "الميثاق" إلى دعوة شبابنا اللبناني إلى الالتزام ببناء وطن أفضل، هو لبنان، بيتنا المشترك، الذي يسميه الدستور "وطنا نهائيا لجميع أبنائه". وهو دولة مدنية تفصل بين الدين والدولة، استنادا إلى إعلان المكرم البطريرك الياس الحويك في مؤتمر السلام بفرساي سنة 1919: "يوجد في لبنان طائفة واحدة إسمها لبنان، أما الطوائف الموجودة على أرضه فتؤلف نسيجه الاجتماعي".

6. يتصف "الميثاق" بأنه تربوي يقدم فهما جديدا للإنماء الثقافي والاقتصادي وللعمل السياسي، من أجل حفظ كرامة الشخص البشري، وخلق قيادات جديدة يرتكز سلوكها على أساس أخلاقي إنساني سليم؛ وبأنه وطني شامل عابر للأديان والطوائف والأحزاب، ومنفتح على جميع الشبان والشابات، الرجال والنساء في لبنان وبلدان الانتشار، بحيث يصبحون بنائين للخير العام والسلام، مميزين بشجاعة مثلثة: شجاعة إستثمار الأفضل من طاقاتهم بروح خلاق ومسؤول، وشجاعة الجهوزية لخدمة من هم في حاجة أو عوز، وشجاعة الدفاع عن العدالة بوجه الظلم.

7. يرتكز هذا "الميثاق" على ثلاثة مبادئ: الأول، احترام التنوع، على أن يكون تكامليا لا متناقضا، بحيث لا يستغنى عن مساهمة أي شخص في بناء الوطن، بحكم المواطنة التي تساوي في الحقوق والواجبات، والعمل السياسي كمشاركة في خدمة الخير العام. الثاني، الأخوة الأصلية المعطاة لنا من الله مع الحياة التي ليست منا، ولا من صنعنا. فبالنسبة إلى المؤمنين، كما أشارت وثيقة أبو ظبي عن الأخوة الإنسانية، الجميع أبناء أب واحد، وبالتالي إخوة مدعوون إلى التضامن والرحمة والسخاء والحماية (هي الوثيقة التي وقعها البابا فرنسيس وإمام الأزهر الشيخ أحمد الطيب في أبو ظبي بتاريخ 4 شباط 2019). الثالث، أننا خلقنا ليس فقط لنعيش "مع الآخرين"، بل أيضا لنعيش "في خدمة الآخرين"، في تبادل مفيد ومغن. إن أي سلطة في أي نظام تستمد وجودها من شرعيتها لكنها تستمد ديمومتها من نجاحها مع شعبها وبشعبها. والشعب اللبناني اليوم يتوق إلى حكم ناجح ودولة ناجحة، فعلينا ألا نخيب آماله.
* * *

الفصل الثاني
الظروف
8. إن الثورة التي أطلقها بداية عدد من المواطنين ولا سيما شبان لبنان وشاباته بعفوية تامة، موحدين تحت راية لبنان في المطالب الوطنية المحقة، على المستويات السياسية والاقتصادية والمالية والمعيشية والإنمائية، تقتضي مسيرة متواصلة، كيلا تنطفئ شعلتها، ولا يخمد التزامها، ولا يخامرها يأس أو قنوط، فتبقى مستنيرة بالمبادئ الوطنية والأخلاقية والروحية في مسيرتها نحو أهدافها الموضوعية والواعدة. والكنيسة تدعمها في هذا المسعى البناء.

فيجب أولا محاربة عبادة الأنا، التي هي أساس الفساد السياسي والمالي، لأن على مذبحها يضحى بالقيم الأخلاقية والمشاعر الإنسانية، وبمخافة الله، وبالشعور بالخجل. وثانيا العمل على أنسنة الانترنت ووسائل التواصل الاجتماعي على أساس ما تقدمه من إمكانيات لنشر المعلومات وتبادلها، بعيدا عن خطابات الكراهية وتضليل الرأي العام بالأخبار الكاذبة. وثالثا رفض "ثقافة النفاية"، كما يسميها قداسة البابا فرنسيس، التي يقع ضحيتها المسنون والفقراء والأطفال عامة وذوو الاحتياجات الخاصة، بسبب النظر إليهم من منطلق قدرتهم الاستهلاكية والانتاجية. ورابعا، الربط بين الإنسان والطبيعة. فالبيئة البشرية والبيئة الطبيعية تترابطان وتتفاعلان. ترتفعان معا وتنحطان معا. وكما أن نقص الاعتناء بداخلية الإنسان يظهر في نقص الاعتناء بخارجه، هكذا هي حال التفاعل بين الإنسان وبيئته الاجتماعية والطبيعية.
ليست الطبيعة مجرد إطار لحياتنا، وكيان منفصل عنا، بل نحن جزء منها، ومن صميمها. ولا توجد علاقة جديدة مع الطبيعة من دون كائن بشري متجدد في إنسانيته (راجع كن مسبحا، 118).
* * *

الفصل الثالث
الرؤية
9. تتضح الرؤية التي توجه "ميثاقنا التربوي الوطني الشامل" بثلاثة مبادئ:
المبدأ الأول، حفظ الوحدة في التنوع. وهو عنصر من العناصر التي تميز لبنان عن سواه، ويساهم في بناء أنسنة جديدة. من شأن هذا "الميثاق" أن يربي على الفكر الجديد القادر على بناء الوحدة في التنوع، وقبول الآخر المختلف كما هو، والمساواة والحرية والهوية الشخصية والجماعية.

المبدأ الثاني، تطوير نوعية العلاقة المميزة بين الأشخاص. إن لفظة "شخص" تعني بحد ذاتها علاقة. في مجتمعنا طاقات عظيمة لدى الأفراد. ولكنها تحتاج إلى علاقة فيما بينها، والخروج من الفردية، مع احترام الطاقات والمواهب الشخصية على أنواعها.
المبدأ الثالث، إمكانية تغيير المجتمع. هذا المبدأ هو ميزة الشباب. فإذا فقدوه، حرموا أنفسهم من الرجاء والطاقة الضرورية لتخطي الضعف واليأس والقنوط. فالواقع الذي يتألم منه شبابنا كان واضحا في مطالب المتظاهرين والثوار الرافضين للظلم والفساد والقهر وإهمال المسؤولين السياسيين لواجباتهم. يريد "الميثاق" حماية صوتهم وتطلعاتهم وآمالهم وارتباطهم بأرض الوطن. إنهم أصحاب رؤية وكفاءة، لتحمل مسؤولية الوطن. فيجب أن يشاركوا في شؤون الأمة، وفي صنع مستقبلهم. فإنهم يعطون خدمة الشأن العام نكهة جديدة. فالنبي آشعيا يسميهم "حراس الفجر" (أش12:21).
* * *

الفصل الرابع
الرسالة
10. يبغي "الميثاق" المحافظة على شبابنا اللبناني وأجيالنا الطالعة على أرض الوطن. فيعمل على تطبيق السياسة الاجتماعية التي رسم خطوطها المجمع البطريركي الماروني بالتعاون مع المؤسسات الكنسية وسواها، سعيا إلى تأمين العمل الانتاجي في الزراعة بكل قطاعاتها، والصناعة الخفيفة، والتصنيع، واكتساب المهارات. هذا النشاط الانتاجي ينسقه المركز الماروني للتوثيق والأبحاث مع لجان ومؤسسات ومدربين.

11. من أجل هذه الغاية أسسنا مركزين: الأول في دير مار سركيس البطريركي بريفون، يدعى "مركز التنمية البشرية والتمكين". وقد بدأ نشاطاته في شهر حزيران 2019. تشمل برامجه: تعزيز قدرات الشبيبة والعائلات والمجتمعات المحلية لضمان تنميتهم الروحية وإشعاعهم المجتمعي والثقافي والاقتصادي؛ تحسين نوعية حياة الأفراد والمجتمعات؛ إجراء تدريبات تتكيف مع احتياجات المجتمعات المحلية من شبيبة وأزواج وعائلات ومحترفين.
والثاني في دير الزيارة، عينطوره كسروان، يدعى "معهد فيلوكاليا" أي "حب الجمال"، جمال الله الأسمى الذي منه حب جمال الفن الخلاق. وسيبدأ نشاطاته في خريف 2020 إن شاء الله. يضم قسم الموسيقى (آلاتي وصوتي وجوقات)، وقسم فن الطبخ - Art culinaire، وقسم الفن الحرفي - Artisanat، وقسم ثقافي: تعليم الدين واللغات والمواد الثقافية الأخرى.

ولا بد من التذكير بما تقدم الكنيسة من خدمات وفرص عمل في مؤسساتها الاجتماعية من مدارس وجامعات ومستشفيات ودور لذوي الحاجات الخاصة، ومن إمكانيات استثمار أراضيها زراعيا وصناعيا وسياحيا وسكنيا وإنمائيا.


12. تهدف الرسالة إلى ثلاثة تكلم عنها قداسة البابا فرنسيس في إعلان ميثاقه التربوي هي:
الأول، جعل الشخص البشري قبلة العمل الاقتصادي والسياسي والإنمائي. في هذا الإطار يبغي "الميثاق" إعداد أشخاص كفوئين لهذا العمل.
الثاني، إستثمار طاقات الشباب وسواهم كجماعة تغييرية في خدمة المجتمع والوطن اللبناني لجهة تأمين الخير العام بذهنية إصلاحية جديدة.
الثالث، إعداد أشخاص مستعدين لوضع ذواتهم في خدمة الجماعة خدمة متجردة. إن تراجع القطاع العام في اقتصاده وانتاجه وتقدمه وإنمائه يعود إلى غياب روح الخدمة العامة وتفشي الأنانية اللذين يشكلان أساس الفساد السياسي والإداري والمالي.
* * *

الفصل الخامس
الجهاز التنفيذي
13. يعنى بتطبيق هذا "الميثاق" مجلس تنفيذي، بإشراف أسقف نائب بطريركي، وبإدارة منسق بطريركي، وعضوية منسق مكتب راعوية الشبيبة في الدائرة البطريركية، والمنسقين المعينين من رؤسائهم في الأبرشيات والرهبانيات.

يرسم المجلس التنفيذي بتوجيه الاسقف المشرف أطر عمله ونشاطاته، ويتشاور المنسق البطريركي بإسم المجلس مع اللجنة الأسقفية لرسالة العلمانيين والمجلس الرسولي العلماني، والمركز الماروني للتوثيق والأبحاث، ورابطة كاريتاس - لبنان وسائر المنظمات الكنسية الاجتماعية والإنمائية.

يتعاون المجلس مع المسؤولين عن لجان الشبيبة في الأبرشيات والمسؤولين عن المنظمات الرسولية المختصة بالشبيبة، ومؤسسة "لابورا"، والمدارس والمعاهد والجامعات، ومختلف المؤسسات الرسولية، وأهل الرأي والنظرة. كما يضع الآلية الملائمة لتطبيق هذا "الميثاق"، راجين أن يكون علامة رجاء لشعبنا واستكمالا "للحراك المدني" الذي أظهر لدى شبيبتنا اللبنانية وعيا وطنيا مدركا ومضحيا. وستكثف الكنيسة المبادرات الاجتماعية والتربوية عبر مختلف مؤسساتها الاسكانية والاجتماعية والتربوية للتخفيف من أعباء أبنائنا الرازحين تحت وطأة الفقر والعوز.
* * *

الخاتمة
نود أن يشمل "الميثاق" كل شبيبة لبنان من مختلف الانتماءات، وأن يتم التعاون على تطبيقه مع هيئات المجتمع المدني، ومع مؤسسة "أديان" من أجل شد أواصر العائلة اللبنانية، على أساس الوحدة في التنوع، والاغتناء المتبادل من واقع التعددية الدينية والثقافية والحضارية التي تميز لبنان.

نأمل أن يحظى هذا "الميثاق" بمؤازرة وطنية جامعة، توفر لجميع اللبنانيين مناعة وطنية تتيح لهم أن يحولوا الحواجز التي تعترض سبيلهم إلى حوافز، والآلام التي يعانون منها إلى آمال، فيؤول كل شيء لخيرهم. حينئذ تنكشف صورة لبنان الشركة والمحبة، وتتحقق الوحدة في التنوع، ونعيش معا بسلام، ويتمجد الله في كل أمر صالح.

عن كرسينا في بكركي، 25 آذار 2020
عيد بشارة الملاك لمريم العذراء".

المصدر :