عام >عام
ما لا تعرفه عن نهر العاصي في لبنان
ما لا تعرفه عن نهر العاصي في لبنان ‎السبت 7 آب 2021 13:42 م
ما لا تعرفه عن نهر العاصي في لبنان

جنوبيات

أولًا يقع نهر العاصي في الشمال من محافظة البقاع عند مدينة الهرمل. هناك ينبع النهر الذي عصى اتجاهات بقيّة أشقّائه الأنهار اللبنانية التي تتجه غرباً، وتصب في البحر، فاتجه شمالاً لمسافة تناهز الثلاثماية كيلومتر ليصب في لواء الاسكندرون. لهذا النهر أهمية كبيرة حيث أن غزارة مياهه لا تنضب، وبعده عن المدن الصاخبة، وتنوع البيئة في محيطه، وانحداراته المختلفة التي أتاحت تكوّن الشلالات عليه، أحياناً، وانسابت مياهه بهدوء في المنبسطات أحياناً أخرى.

 

لنبدأ بروعة المكان, أتاح نهر العاصي ممارسة مختلف الأنشطة عليه، في التعابير التقليدية منها السباحة، والتسلق، والمشي، وفي العلوم السياحية والرياضية الحديثة والمستجدة "الرافتينغ"، و"الكاياكينغ"، و"الهايكينغ"، ولكل منها دلالة ومعنى خاص.

 

حوّل بعض النشطاء اللبنانيين هذه الأنشطة من الهواية إلى الاحتراف، ومن العمل الفردي إلى المؤسساتي المبرمج، فتحولت الصيغة الرياضية للأنشطة إلى أنشطة تشمل قطاعات أوسع في السياحة والبيئة والتراث، ملامسة الاقتصاد باستثمارها المباشر، أم غير المباشر بما تقتضيه من حاجات.

وأبرز من أسس هذه الأنشطة -النهرية المائية بنوع خاص- نور الدين المقهور الذي أسس نادي رافتنغ سكواد كلوب ( Rafting Squad Club)، عام 2006
.
وقد شارك ببطولة العالم بـ(الكياك) مرتين عام 2002 و2003، واحتل الدرجة الأولى في منتخب لبنان فترشح قانوناً إلى بطولة العالم.

 

ان مستوى المياه الموجودة في النهر يسمح بأن يحمل "الرافتنغ"، ويمشي فيه بمسار يعتمده المدرب مع الزبائن الذي هو 7 الى 9 كلم، هذا في المستوى 1-2، وهو للمبتدئين، الذين يمارسونه لأول مرة، وقبل نزولهم الى الرافتنغ، يتلقون تدريباً لمدة نصف ساعة، يتعلمون كيف يجلسون، وكيف يجذفون.

 

ان المرحلة التي يمرون فيها تتوافر فيها أربعة شلالات، اثنان صغيران مع تكسر أمواج وشلال وسط (سقوط حاد) متر ونصف المتر، والشلال الأخير الذي ينتظره كل الناس وهو 9 أمتار، وانحداره عادي مثل انحدار الدرج.

 

ففي النهر نزلات مختلفة كالمستوى الثالث، مدته 4 ساعات، والمستوى الرابع مدته 6 ساعات، أما الخامس فليس ممكناً على نهر العاصي للرافتنغ، إنما للكاياك، ولا يستطيع أن ينزل فيها لا مبتدئين، ولا محترفين إلا إذا كان لديهم شهادات دولية بخصوص "الكاياك"، فهذه مرحلة خطرة جداً، وحتى اليوم لم يفعلها في لبنان الا ثلاثة أشخاص، وهناك نزلة "الفول موون رافت" full moon raft وهي أن ينزل الأشخاص ليلاً عندما يكون القمر بدراً.

 

الرافتنغ عبارة عن زورق مطاطي يستخدم في الأنهار السريعة، والمعتدلة، والخطرة حسب نوعية ومستويات الرافتنغ. إن العاصي هو النهر الوحيد الذي يستقطب لعبة الرافتنغ في لبنان، متل التزلج في كفرذبيان، ويتبع الرافت للاتحاد اللبناني للكانوي كاياك.

 

الرواد الذين يأتون الى العاصي هم من كل المناطق اللبنانية، ولأن المنطقة بعيدة، ويصعب على الناس العودة بعد الرافتنغ الى مناطقهم في الليل، يوجد في العاصي خيماً ليقيم الرواد فيها، ويتم العمل على تطويرها حيث من الممكن انشاء غرفاً صديقة للبيئة، فالناس يمكنهم أكل الطعام البلدي مع سهرة النار، والموسيقى، والنوم في خيمة محمية، وتتعرف الناس على بعضها البعض، وتقام حالة تفاعلية انسانية جميلة، اضافة إلى أن الهرمل تستقطب سنوياً 15 ألف سائح يأتون للقيام بالرافتنغ، وبذلك تتشكل دورة اقتصادية في المنطقة يتستفيد منها قطاع واسع من المواطنين.

 

تتحرك الدورة الاقتصادية في المنطقة لأن المتطلبات و المأكولات واللوازم يتم جلبها من عدة أشخاص في المنطقة، بالإضافة إلى أن هذا العمل تحول إلى سياحة، وعبره يتعرف الناس على الهرمل ليروا المنطقة على طبيعتها، ويتم تسويق منتجات لا تصل إلى بيروت، كالمربيات على أنواعها، والملوخية البلدية والجوز البلدي، أي مثل حالة "بيت مونة"، وتستفيد منها إما جمعيات موجودة في الهرمل أو أشخاص أوعائلات.

 

فبعد الرافتنغ يأتي الغذاء، والهرمل تشتهر بسمك الترويت، هي سمكة لذيذة، اضافة الى مقبلات المطبخ اللبنانية كالحمص، والمتبل، والبطاطا المقلية، والفتوش.. وميزة الأكل أن الغداء مفتوح، وبعيد عن التلوث البيئي، وعن الخوف من كورونا لأن المنطقة نائية لا يدخل عليها الا الذي يحجز فالناس تكون مرتاحة إن كان في الجو أو الأكل أو المبيت أو بالرافت . 



من الأنشطة الجميلة عند الغروب هي الصعود إلى جبال الهرمل المتراوحة على ارتفاع 600 متر عند العاصي حتى القمم العالية على ارتفاع 2200 متر، حيث يعايش الزوار تنوع الطبيعة من الأعالي، وأيضاً إلى الجرد وتحته الوادي حيث اشجار معمرة لأكثر من ثلاثة آلاف سنة بحسب دراسة للجامعة الأميركية، وهناك محمية غابة الأرز وفيها أكثر من ألف شجرة، ويمكن الوصول إلى كتف وادي جهنم المشترك مع عكار والضنية والهرمل. وفي العودة مساء، يعود الجميع إلى العشاء البلدي اللذيذ بعد جولة من التعب والمتعة. ثم إلى سهرة النار قبل الخلود للنوم، والاستفاقة صباحاً لترويقة حليب ومناقيش وكعك طازج وخضار.

 

بعد توسيع دائرة العمل في العاصي، أصبح يقصدنا رواد للخروج معاً على الهايكنغ، مع بعض الصعوبات، وهناك مستويات من الخطورة في الهايك، ويتم الهايك بمحمية القلة، وهوعلى خط الأرز-القلة، ويستغرق نحو 3 ساعات، وهناك هايك القلة العالية الذي يستغرق نحو خمس ساعات، وأخطرها هايك وادي جهنم الذي يستغرق 12 ساعة، يمكن القيام بهايك على ضفة النهر حيث يمكن استطلاع جمال الشلالات.

 

الفريق الذي يعمل في النادي مكوّن من مجموعة من الشباب المثقفين، والمتدربين على التعامل مع الطبيعة، ومع الناس، وفق إرشادات الاتحاد الدولي، مهمتهم ليست بسيطة بل تستغرق ساعات تواصل مع الناس في المياه، وهم مؤهلون للإجابة اللائقة عن أي سؤال من قبل الزوار، ولفهم وقائع المياه وتصنيفاتها، إضافة لمبادئ التعامل مع الناس، والمياه، وتعقيدات الحركة غير الاعتيادية.

 

ختامّا، نستطيع القول أن عدد رواد النادي للرافتنغ والهايكنغ ومختلف الأنشطة حتى اليوم يزيد على العشرين ألفاً، فنحن نحتاج إلى سلام في لبنان ومتأكدون من أن الرواد من لبنان والعالم العربي والعالم قد يصلون إلى خمسماية ألف، لكن ذلك يتطلب فترة من الهدوء والسلام.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المصدر : جنوبيات