خاص جنوبيات >بأقلامهم
اقتراب أوسلو من العقد الثالث على ميلاده(1/3)
اقتراب أوسلو من العقد الثالث على ميلاده(1/3) ‎الأربعاء 15 أيلول 2021 22:59 م ياسر المصري
اقتراب أوسلو من العقد الثالث على ميلاده(1/3)


ليس هناك أوضح وأكثر توصيف لما خلفه اتفاق أوسلو بعد مضي 28 عاما على توقيعه سوى تصريح وزيرحرب دولة الإحتلال الأخير  "اسرائيل لديها خلاف ايديولوجي عميق مع السلطة الفلسطينية، لكن الجانبين( الفلسطيني والإسرائيلي) مهتمان بالسلام والإستقرار".

 ما حمله هذا التصريح من عمق في معنى التجذر للصراع وفرص تمدده لوقت أطول مما يظهر في أبعاد اللقاءات التي جاء هذا التصريح عقبها، وبأن المنظور الإسرائيلي الإستراتيجي والحالي لهذا الصراع يقوم على نفس المنبثق الذي قامت عليه التسوية الميتة والمنتهية إلا من شكليات خارجة عن أي مضمون له علاقة بجدية وجود طرف في دولة الإحتلال قادر على أن يميل إلى حيث يمكن وجود تسوية حقيقية تدلل عليها وجود قابلية للتنازل عن أفكار ومبررات الأيديولوجية المستمدة من عقد القتل والهدم في مجتمع الطبقية السياسية في دولة الإحتلال.

وقد حمل هذا التصريح ثلاثة دلالات جوهرية محمولة على مؤشرات وانعكاسات نفسية حقيقية لمجتمع ساسة الحكم في دولة الإحتلال:
الدلالة الأولى: أن الخلاف أيديولوجي، والإيديولوجيا إذا كانت التي يقصدها جنرال الحرب هذا تلك المرتبطة بالثقافة والأفكار في جماعة ومجتمع دولة الإحتلال، وإرتباط هذا المجتمع بهذه الأفكار فإن المعنى المباشر لهذه الدلالة وفق هذا التصريح تحمل ان الخلاف قائم ما بين بيئتين من ثقافتين وأفكار مختلفتين وهو أعلم وأكثر قدرة للتعبير عن بيئته الإجتماعية والسياسية، وبالتالي فإن فكرة تكريس الإحتلال وبقائه هي إنعكاس مباشر لهذه الأيديولوجيا، فلا يوجد مجتمع وطبقة وفئة وفرد يحمل أيديولوجيا خاصة تحمل عمق ومعنى ثقافة انهاء الإحتلال أو التراجع عن فكرة بقاء هذا الإحتلال وتحتاج إلى خلق بيئة ثقافة وأفكار لدى مجتمع مقابل يفرض عليه الإحتلال وأمضى كل هذه الأعوام من البذل والتضحية لإنهاء هذا الإحتلال وكنسه بكل الوسائل المشرعة وفق منظومة القيم للمجتمعات المتحضرة، إذ أن فكرة الإحتلال بحد ذاتها دون سياساتها هي أبغض وأكثر فكرة كريهة لدى العالم الحر والمتحضر، فالحديث عن الايديولوجيا والإختلاف فيها بين الذي يقتل ويقوم على أفكار تكريس الإحتلال والأيديولوجيا النقيضة لتلك الأولى والتي تقوم على ثقافة وأفكار المقاومة هي مؤكدة مختلفة عن بعضها البعض.

والخلاصة لهذه الدلالة أن هذا الوزير على ما يبدو كان يريد أن يجد لدى الفلسطينيين أيديولوجيا أخرى منسجمة مع صورة( مجموعة لصوص مسلحة تسطو على منزل آمن ويُطلب من أصحاب المنزل إيجاد حلول للصوص!!!)، لكن طبيعة العقلية الإستعلائية القائمة على إجرام العسكري لكي يحافظ على حكمه العسكري والإحتلالي جعلته لا يرى صور الأبطال أصحاب أيديولوجيا الحرية (الثقافة والأفكار) امثال الوزير الشهيد عمر أبو ليلى وأمثال الأسرى الذين فروا من الأسر ليكسروا منظومة أمن كاملة ومتطورة، وتفاعل الشارع الفلسطيني مع كسرهم للقيد عبر الإرادة المؤمنة والصلبة، ولم يدرك هذا الوزير الحربي عمق هذه الأيديولوجيا المتعلقة بالحرية والحق حين هب الكل الفلسطيني في كل أماكن تواجده في هبته لنصرة القدس والأقصى في الجولة الأخيرة من جولات الصمود وتكريس الوطنية الفلسطينية في مواجهتها لأيديولوجيته الإحتلالية ثقافة وأفكار.

الدلالة الثانية: وصفه لأن الخلاف الأيديولوجي قائم ما بين كيان دولة الإحتلال( اسرائيل الدولة والمجتمع) من جهة و السلطة الفلسطينية من جهة اخرى، وهذا بدلالته أنه فعلا عسكري ترعرع عقله الفردي والإنساني في إطار مؤسسة قائمة على إصرارها أن لا تعي وتفهم وتدرك الآخر الذي تواجهه، وهو حقا لا يدرك ان الفلسطيني مهما كان مسماه هو نقيض له من حيث القيمة والمكانة والوجود والتطلع والثقافة والأفكار، حيث أن الحرية لا تستوى والإحتلال، والحياة لا تستوى مع الموت الذي يجسده كجماعة إحتلال وأستعمار يغتصب كل ما له علاقة بحياة الفلسطيني الفرد والجماعة.

وبالدلالة ذاتها هو يسعى لأن يقنع نفسه بأن اتفاق أوسلو الذي شرع مثل لقائه الأخير بالرئيس الفلسطيني أنه مازال قائم ويمكن له ان يمده بالوقت ليعود ويرفع أن الحل يمكن أن يكون على أسس الفصل( حل الدولتين) وهذا الحل الذي جاء محمولا عليه إتفاق أوسلو لم ينجب سوى تشابك أكبر في الأزمات والتحديات ذات العلاقة بالقدرة على بناء الدولة الفلسطينة المستقلة التي كان على هذا الإتفاق إيصال الفلسطيني إليها كنتيجة، ولعل في الدلالة هذه ذاتها انه إصطحب معه من يمثل سلطة حكمه العسكري كدولة احتلال( منسق أعمال الأدارة المدنية لسلطة الحكم العسكري للضفة الفلسطينية) وهذه الإدارة التي كان من المفترض أن تقلص مجالات عملها في الأراضي الفلسطينية بعد نقل صلاحياتها إلى السلطة الفلسطينية وفق البند السادس من هذه الإتفاقية، غير أن سلطة الحكم العسكري هذه توسعت وأصبحت تتقاسم بالدور مع بعض أجهزة السلطة التي كان يجب أن تكون هي من آلت لها صلاحيات هذه الإدارة.

وانعكاسا لهذه الدلالة فإنه يرى أن الفلسطيني سيبقى منتظرا التحول في الإيديولوجيا ( الأفكار والثقافة ) في المجتمع السياسي والمدني في دولة الإحتلال أو أنه كان يقصد ان الفلسطينيين سيغيرون مع الوقت أيديولوجيتهم المتعلقة بالحرية والعدالة.

وخلاصة القول هنا أن الفصل ما بين كيان السلطة والمجتمع الفلسطيني هي سياسة إحتلالية قامت دولة الإحتلال بتبنيها وبناء سياسات عميقة لها وفي بعض صورها ما كانت تقوم به من إحراج مقصود لهذه السلطة امام مجتمعها في كثير من الأحداث والسياسات، وكذلك ما قامت به من تغيير لإستراتجية الإحتلال القائمة على أسس عدم التنازل عن هذا الإحتلال كواقع وسياسة وثقافة منذ توقيع اتفاق أوسلو إلى يومنا هذا.

الدلالة الثالثة: وصف الخلاف بالعمق، أي أنه يحتاج أي الخلاف إلى وقت ومتغيرات لتحدث وتغير معها من فجوة العمق التي يمكن لها أن تخلق التقارب المقبول، وهو بذلك لم يكن يقصد سوى التغيير والوقت للإنتظار من قبل الفلسطيني، لأن الأفكار والثقافة لا تتغير بين يوم وليلة، ومن هذه الدلالة أن دولة الإحتلال بكل نخبها السياسية مازالت تبحث عن كل ما يمكن هذا الكيان من إطالة عمر الإحتلال وبناء الأمر الواقع الذي تدعيه دولة الإحتلال أنه قائم على أساس تعريف حاجتها منه كجماعة وكيان ومستقبل.

والإنعكاس في هذذه الدلالة أن العقل الجمعي والفردي في دولة الإحتلال مازال ينكر على الفلسطيني قدرته على الرفض حتى تحت سقف تأثيرات عامل الوقت بأبعاد وصور ما كان قائم وما هو قائم الآن، وإن في كل الظروف التي مر به الفلسطيني كجماعة لم يستطع الإحتلال أن يجد من يتنازل عن ثابت الأرض المستقلة والسيادة والحدود المعرفة للدولة الفلسطينية والتي اقرتها كافة التشريعات والأعراف والإتفاقيات الدولية التي ذهب إلى أنجازها الفلسطينيون في العقد الأخير، وهامش المناورة على عامل الزمان هو محاط ببعض القضايا التي بحثت ولكنها لم تستطع ان تلغي الحق الفلسطيني بها على كافة الأصعدة.

والخلاصة ولب القول أن النخب السياسية في دولة الإحتلال مازالت تجهل ان كل سياسات تكريس الإحتلال قد سقطت ويسهل إسقاطها نظرا لما للفلسطيني من مناعة متقدمة تميزه عن باقي الشعوب التي وقعت تحت الإحتلال، فيسهل على الفلسطيني وبحكم تجربته الفردية والجماعية إفشال المخططات والسياسات والتحالفات التي قد تبنى لتغييبه أو تحييده وخصوصا تلك المتعلقة بهويته الجماعية وكيانيته السياسية ومرتكزات قيمته الوطنية بأبعادها السياسية والإنسانية.

المصدر : جنوبيات