عام >عام
"حارة اليهود".. حقبة صيداوية إندثرت بفعل المتغيّرات والحروب
برعوا في التجارة وفنونها وكانوا الأمهر في التعامل مع زبائنهم
تركوا مدينة صيدا بعد الحرب الأهلية والاجتياح الإسرائيلي للبنان
"حارة اليهود".. حقبة صيداوية إندثرت بفعل المتغيّرات والحروب ‎الأربعاء 2 كانون الأول 2015 14:39 م
"حارة اليهود".. حقبة صيداوية إندثرت بفعل المتغيّرات والحروب
"حارة اليهود".. ذاكرة صيداوية تمثّل انموذجاً للتعايش

سامر زعيتر

حلّوا في المدينة عقوداً من الزمن، ثم ما لبثوا أن غادروها إلى أماكن متعدّدة، ولأهداف متشعّبة، وربما خوفاً على حياتهم كانوا يقفلون باب حارتهم عند حلول المساء...
إنهم اليهود، الذي طبعوا بصمتهم على حارة خاصة بهم داخل صيدا القديمة، حيث شكّلت "حارة اليهود" حقبة تاريخية من الذاكرة الصيداوية، اندثرت بفعل الحرب الأهلية والاجتياح الإسرائيلي للبنان، وأسهمت في انتقال هذه العائلات إلى فلسطين المحتلة ودول أخرى، فيما لا تزال الأماكن على حالها، تغيّرت ديموغرافية ذلك المكان...
عائلات "براهام، برزلاي، بلسيانو، بصل، بولتي، حديد، خياط، ديوان، زيتون، شميا، شماس، شكري، شموئيل، نورتي، كوهين، لاوي (ليفي)، معتوق، نسيم، ذكري، يمني ويعقوب"، أسماء يهودية عاشت إلى جانب العائلات المسلمة والمسيحية في صيدا البلد، نسجت بخيوط المحبة داخل أزقة صيدا القديمة...
"لـواء صيدا والجنوب" يستعيد حقبة من زمن الذاكرة الصيداوية داخل "حارة اليهود"، حيث عاد بهذه الانطباعات...

خروج طوعي!

الداخل إلى الأزقة والزواريب، لا يزال السؤال عن حارة اليهود في صيدا القديمة أمرا اعتياديا، ليس فقط لأبناء المدينة بل لعدد من السائحين الذين يقصدونها، مكان يستعيد البعض فيه ذكريات من الزمن القديم.
* هذه الذكريات التي عايشها مختار حي السبيل عبد الكريم كرجية البالغ من العمر 64 عاماً عبّر عنها بالقول: "تتبع حارة اليهود إلى حي السراي في صيدا القديمة، وكانت تفصل الحارة بوابة حديد تفتح عند الساعة الثامنة صباحاً وتقفل عند الساعة السابعة أو الثامنة مساءً، يومها كانت صيدا القديمة تعيش حالة من الانسجام بين أهلها، فكان الطعام يوضع في الطرقات ليتشارك فيه الجميع، فيما الصدق كان هو الأساس في التعامل بين الناس، وكان الجار لجاره، حيث تقوم الجارة برعاية جارتها المريضة خلال غياب زوجها، أما اليوم فلم تعد الأحوال كما كانت".
وأضاف: "كان تعداد اليهود في السابق يزيد عن الـ 1300 يهودي، وهم من البارعين في التجارة ومن بينها بيع القماش، فضلاً عن تقديم القروض لمن يحتاج لها، ولا زلت أذكر آخر سيدة يهودية خرجت من صيدا بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان، فيما العدد الأكبر منهم خرج بعد اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية في العام 1975، أما أملاكهم داخل حارة اليهود فلا تزال على حالها، ومن بينها الكنيس ومدرسة اليهود، إضافة الى دير آخر كان يحتوي العديد من المجلدات تم اخراجها بعد الاجتياح الإسرائيلي للمدينة من قبل الجيش الإسرائيلي".
وختم كرجية: "صيدا جميلة بأخلاقها، فهي تؤمن بالعيش المشترك وعدم التفريق بين الديانات، كانت تستضيف التجار من خارج المدينة وتعاقبت عليها العديد من الحضارات، ففيها عاش الحاكم العسكري التركي والسفير الفرنسي، كما عاشت المدينة فترة من الازدهار الاقتصادي".

التجارة والكنيس

* التجارة والبراعة فيها، كان لليهود النصيب الأكبر منها، وفق ما أكد الحاج سعيد أبو طه البالغ من العمر 70 عاماً بالقول: "بحكم عملي داخل صيدا البلد في قطاع المفروشات، تعاملت مع عدد من التجار اليهود من أبناء مدينة صيدا، حيث كنت أشتري الاسفنج من التاجر اسحق، الذي كانت أسعاره هي الأرخص بين جميع التجار، وقد التقيت به بعد الاجتياح الإسرائيلي لمدينة صيدا، اثناء اعتقالي من قبل الإسرائيليين حيث تفاجأت بأنه ضابط برتبة كبيرة، فهو ادّعى سفره إلى أستراليا، لكنه التحق بالجيش الإسرائيلي في فلسطين المحتلة، وقد أمر باخراجي من السجن في العام 1982 خلال اعتقالي لأنه كان يعلم بأنني أعمل في مجال المفروشات، كما لا زلت أذكر التاجر سيمون الذي كان يعمل بائعاً للألبسة، فهو نموذج عن اليهود البارعين في التجارة، كما كان الناس يشترون الأدوات المنزلية من والد اسحق، الذي تُعد أسعاره الأرخص وبالتقسيط، وكان يتساهل في مواعيد سداد الأقساط ويعمد إلى تأجيلها إرضاءً للزبائن".
أما الكنيس فقد تحوّل إلى مكان للسكن ويقطنه السوري جهاد المحمد منذ العام 1990 والذي أشار إلى "أن الايجار لهذا المكان هو قديم، أما اليهود في صيدا فلم يراهم بعيونه، بل علم من أحاديث كبار السن عن حسن معاملتهم وبراعتهم في التجارة".

البقاء حتى الممات!

* "حارة اليهود" خبرها أحمد كوسا بفعل العمل، وهو البالغ من العمر 65 عاماً، أمضى منها 40 عاماً في مهنته، يصرّ على البقاء في منشرته داخل الحارة وفق ما أشار بالقول: "عايشنا الفترة التي تواجد فيها اليهود داخل صيدا القديمة، وقد بدأت العمل في هذه المصلحة منذ العام 1975 داخل "حارة اليهود"، التي خرجت آخر العائلات اليهودية منها عقب الاجتياح الإسرائيلي، وفي السابق كان هناك العديد من المحال داخل "حارة اليهود"، لكن منذ أقل منذ 10 سنوات توفي بعض أصحابها، ومنهم مصطفى العر، الذي كان يملك منجرة عند باب الحارة، لكنه توفي وأولاده لم يرغبوا في متابعة المصلحة، والأمر نفسه يحدث معي فبعد وفاتي لن يتابع أولادي هذه المصلحة، لأنهم لم يرغبوا العمل في هذا المجال".
وأضاف: "هذه المنطقة لم يلحقها الترميم بعد، لكن تم ترميم العديد من طرقات البلد بواسطة "جمعية محمد زيدان للإنماء" في صيدا مما أعطى جمالية للمكان، فمدينة صيدا مميّزة بتاريخها وجماليتها، لذلك نرى العديد من السائحين يزورون "حارة اليهود" للاطلاع على تاريخها والتقاط الصور، ونحن نعشق أيضاً هذه الأماكن التراثية التي يكتشفون فيها أثاراً جديدة في المدينة، ولكن للأسف حين نرى اهتمام الأجانب بهذا التراث وعدم اهتمام البعض من أبناء المدينة بتراثهم، فهذا الأمر محزن، لكنني لن أغادر هذا المكان إلا بوفاتي، فرغم تعرّضي لإصابة وعدم قدرتي على المشي بشكل سليم، إلا أنني أصرّ على العمل، فننصح الناس الاهتمام بالتراث والحفاظ على البيئة، حيث نرى البعض يواصلون إلقاء النفايات، رغم أن عمال النظافة يقومون بدورهم على أكمل وجه، إضافة الى أن بعض الظواهر داخل مدينة صيدا القديمة مثل تعاطي المخدرات حرم المدينة من النشاطات التي شهدتها خلال شهر رمضان المبارك في السنوات الماضية".

نكبة فلسطين والحرب

* بين نكبة فلسطين وخروج اليهود من صيدا علاقة وطيدة، وفق ما أوضح الفلسطيني حسن عرابي، الذي سكنت عائلته "حارة اليهود" منذ العام 1948 بالقول: "ولدت في "حارة اليهود"، وقد سكن أهلي فيها منذ النكبة الفلسطينية، حيث عشت في صغري مع عدد من اليهود، وكانت تتواجد في المكان 3 عائلات، ومنها موسى لافي الذي كان يعمل خياطاً وقد توفي في العام 1983 إضافة إلى كاسبينة التي ترك صيدا بعد الاجتياح، وحالياً تعيش في المكان عائلات لبنانية وفلسطينية وسورية".
وأضاف: "لقد تم ترميم البنى التحتية في صيدا القديمة، لكن الأبنية هنا لا زالت على حالها، وأهلنا كانوا يدفعون الايجار للمالكين، ولكن اليوم لا يوجد من ندفع له الايجار، علماً بأن اليهود احتلوا أرضنا في فلسطين وهم لا يدفعون ايجار ممتلكاتنا، علماً بأننا كنا ندفع الايجار للمالكين اليهود، حيث يعيش الآن في الحارة أكثر من 100 عائلة".
عائلات جديدة غيّرت المعالم الديموغرافية لمكان عرف بحارة اليهود، ولكن اليوم لم يبقَ منهم في ذلك المكان إلا اسمهم.

 

المصدر :