الخميس 11 كانون الثاني 2024 16:27 م

زيارة بلينكن: التضليل وشراكة الاحتلال


* جنوبيات

غادرنا السيد أنتوني بلينكن بعد زيارة طويلة شملت تركيا واليونان والإمارات وقطر ومصر والسعودية والأردن واسرائيل ورام الله والبحرين، أطلق خلالها سلسلة من التصريحات أبرزها:

- "تحدثنا عن التطبيع في كل محطة من الجولة بما في ذلك في السعودية. هناك اهتمام واضح بالسعي الى ذلك. ولكن الأمر سيتطلب إنهاء النزاع في غزة وإيجاد مسار عملي لقيام دولة فلسطين. ثمة اتفاق على ذلك وعلى توحيد القيادة الفلسطينية في الضفة وغزة. لكن لا أحد يظن أن اياً من هذا سيكون سهلاً!"
- "ثمة أهمية لتجنّب إلحاق الأذى بالمدنيين ولسنا مع الإجراءات الاسرائيلية التي تؤدي الى تقويض السلطة الفلسطينية".
أبدأ من السطر الأخير. تعترفون باجراءات اسرائيلية تؤدي الى تقويض السلطة. ماذا فعلتم؟ تعترفون علناً بعجزكم عن إقناع حكومة الاحتلال والإرهاب بإعادة أموال السلطة المصادرة إليها، فكيف يثق بكم الفلسطينيون والعرب وكل الداعين الى دولة فلسطينية واسرائيل هي التي تمنع قيامها؟ تريدون الضفة والقطاع معاً. اسرائيل مصرّة أن مصير القطاع انتهى. وعمليات الهدم والتدمير والحرق والقتل في الضفة مستمرة والعالم كله يرى ذلك، ماذا أنتم فاعلون؟ وإذا كان الوصول الى الأهداف المعلنة في التصريح الأول ليس سهلاً، فلماذا؟ من يعرقل هذا الأمر؟ الفلسطينيون رغم كل خلافاتهم أعلنوا موافقتهم على حلّ الدولتين، والعرب كلهم اتفقوا على مبادرة في بيروت قائمة على هذا الأساس وقبل أن يشتد ساعد "حماس"، إذا اعتبرنا أن ما يجري هو ردّ عليها. فإن أبو عمار الذي حاز على أعلى وأهم شرعية تمثيلية فلسطينية وقّع اتفاق أوسلو مع رابين. اسرائيل قتلت الإثنين، لأنها لا تريد حلاً ولا تعترف بدولة فلسطينية. واسرائيل نفسها ترتكب المجازر والإبادة والقتل وتصرّ على التوسّع والاستيطان في الضفة خلال زيارتكم لها فماذا أنتم فاعلون؟
أما كذبة حماية المدنيين ومحاولات التضليل القائمة من قبل الإدارة الأميركية بأن حجم العمليات الكبرى قد تقلّص وتدنّت نسبة استهداف المدنيين فهي محاولة لا تنطلي على أحد. ما تغيّر هو أمران: أولاً تهجير العدد الأكبر من الفلسطينيين الى الجنوب وهم يعانون معاناة لا توصف ولم تتمكنوا من إقناع جيش الاحتلال بإدخال المساعدات وتأمين الغذاء والمعدات الطبية اللازمة، ومنظمة الصحة العالمية أعلنت التوقف عن العمل هناك وفي الوقت ذاته صدرت أصوات اسرائيلية تتحدث بفجور واضح: لا حل. لا راحة. لا أمن. لا استقرار دون تدمير "الأونروا" وهذا هدف تاريخي مشترك لديكم يا سيد بلينكن ولدى اسرائيل نظراً لدورها في تحديد عدد اللاجئين الفلسطينيين في الشتات وسيزاد اليه من سترحّلون اليوم خارج غزة. وهنا تتّضح الخديعة الكبرى إذ أن ضغطكم على الدول العربية والأفريقية وغيرها لم يتوقف لترحيل النازحين من غزة إليها. في الاجتماع مع الوزراء العرب الثلاثة (السعودي والمصري والقطري) ألست أنت يا سيد بلينكن من قال لهم وبعد فشلهم في الحصول على ضمانة لحماية المدنيين: "هؤلاء ليسوا مدنيين. هؤلاء يحمون حماس". وأضفت: "أنتم في مصر استوعبتم 300 ألف لاجئ سوداني ألا يمكنكم استيعاب 300 ألف فلسطيني وأنتم 120 مليون"؟ "وأوغندا ستستوعب 300 ألف وكندا بدأت بالإجراءات العملية لذلك. وتناقش مع دول أخرى هذا الأمر وهكذا نكون قد "نقلنا" نصف أبناء غزة الى الخارج"؟ وتلوّحون بمال سيدفعه العرب! فأين حماية المدنيين وحقهم في العودة الى غزة؟
أما الأمر الثاني: لم يتغيّر شيئ في تحقيق هدف قتل أكبر عدد ممكن من أبناء غزة، إلا الطريقة، كانت ترتكب مجازر يومية يذهب ضحيتها المئات فتقوم القيامة. اليوم ينفذ الاسرائيلي عمليات "صغيرة" عديدة ويأخذ وقته، عدد الخسائر البشرية أقل نسبياً يومياً لكن نسبة العمليات أكبر والنتيجة واحدة. إنها مذبحة مفتوحة ويتركّز سعي أميركا على تحقيق الأهداف الاسرائيلية من التطبيع الى التهجير والتوسّع والاستيطان سواء أكان ذلك عن عجز في ردع اسرائيل في بعض الممارسات أو بالتكامل والتضامن معها.
سيد بلينكن، منذ زيارتك الأولى قلت أنا يهودي. ثمة إجماع لدى كل الذين اجتمعوا بك أنك تصرفت كيهودي متطرف وليس كوزير خارجية أميركا، فمن يصدقك ويصدق إدارتك؟
ثمة مسؤولية عربية كبرى تجاه هذا الأمر. أي انزلاق نحو الجموح الأميركي في دعم اسرائيل سيرتدّ خطراً كبيراً على كل العرب لاحقاً. ولا أزال مقتنعاً: ستعمّ الفوضى الدول العربية، وسيكون العرب رهائن لدى اسرائيل إذا نجح مشروعها. لا سلام. لا أمن. لا حلّ دولتين. لا استقرار في المدى المنظور مع هذه السياسة!

المصدر :جنوبيات