السبت 22 تموز 2023 14:12 م

36 عاماً على اغتيال ناجي العلي.. "حنظلة" من مُخيّم اللجوء إلى العالمية مُستبقاً الأحداث


* جنوبيات

تعمّد العدو الإسرائيلي اغتيال النُخَب الفلسطينية، وفق مُخطّط مُمنهج، نظراً إلى خطورة الكلمة والصورة والكتاب والرسم، لكن ذلك ولّد أجيالاً من المُناضلين المُثقفين.

ومن هؤلاء، الفنان الكاريكاتوري العربي الفلسطيني ناجي سليم حسين العلي، الذي تجاوز برسوماته الإبداعية، الدائرة الضيقة أو الزمان الذي رسم فيه، لأنه ثبت أن أعماله خالدة، ليس فقط في حياته ولا لجيله ومُعاصريه، بل إلى الأجيال التي ولدت بعد استشهاده، والتي أضحت تعتمد «حنظلة»، الذي اختاره ليُوقّع به رسوماته، أيقونةً.
لقد استطاع ناجي العلي تحويل ألم نكبة فلسطين ولجوئه إلى المُخيم لإبداعٍ، عَبّرَ عنه بالرسم الكاريكاتوري، الذي وصل إلى العالم، بأعمال راسخة تركت بصمتها المُميّزة، لا تُوازيها أعمال آخرين ما زالوا على قيد الحياة.
رسّخ الفنان ناجي العلي في الذاكرة «حنظلة»، ووقّع به رسوماته، وإنْ تغيّرت وقفته، فأضحى جزءاً من ثوابت التراث الوطني الفلسطيني، مع خارطة فلسطين ومُفتاح العودة.
دفع ناجي العلي ضريبة الانتماء إلى فلسطين ليكون ضمن لائحة الاغتيالات التي استهدفت كُتّاباً وأدباء وإعلاميين ومُثقّفين، كانت فيها بصمة الاحتلال الإسرائيلي واضحة، انطلاقاً من خطورة دور هؤلاء في توعية وتوجيه الرأي العام من مخاطر مشاريع المُؤامرة الصهيونية، وأيضاً سهولة الوصول إليهم، نظراً إلى قلّة وجود الحراسات والإجراءات الأمنية.
كان في طليعة الذين تم اغتيالهم: الأديب والكاتب غسان كنفاني في بيروت (8 تموز/يوليو 1972)، مُمثّل «مُنظّمة التحرير الفلسطينية» في روما الدبلوماسي والسياسي والأديب وائل عادل زعيتر (17 تشرين الأول/أكتوبر 1972)، و3 من أعضاء اللجنة المركزية لحركة «فتح»: كمال ناصر، كمال عدوان ومحمد النجار «أبو يوسف» في منطقة فردان في بيروت (10 نيسان/إبريل 1973).
كان ناجي العلي يُدرك أنّه سيُستشهد اغتيالاً، لأنّه كان على قناعة بأنّ «إللي بدّو يكتب لفلسطين... وإللي بدّو يرسم لفلسطين... بدّو يعرف حالو ميت». لذلك، أكْثَرَ من رسوماته، مُجسِّداً فيها أفكاره وأحاسيسه.
 
اغتيال بأهداف مدروسة!
 
تعرّض للاغتيال في العاصمة البريطانية، لندن، أمام مبنى صحيفة «القبس» الكويتية، التي كان يعمل لحسابها، يوم الأربعاء في 22 تموز/يوليو 1987، بمُسدّس مُزوّد بكاتم للصوت، حيث أُصيب تحت عينه اليُمنى، ونُقِلَ إلى «مُستشفى شيرينغ كروس» في لندن، إلى أنْ أُعلِنَ عن استشهاده يوم الخميس في 27 آب/أغسطس 1987.
استشهاد فتح مروحة اتهامات واسعة، في ظل كثرة المُتضرّرين من رسوماته، لكن تكشف في التحقيقات والوثائق لاحقاً، أنّ جهاز «المُوساد» هو الذي كان يقف خلف تنفيذ هذه العملية بدقّة وعناية، على يدَيْ إسماعيل حسن صوّان، الذي جُنِّدَ من قِبل «المُوساد،» وجرى وصله من خلال عميل الجهاز بشارة سمارة (من الجولان) مع ضابط «الحالة» في «محطة المُوساد» في لندن «ألبيرت»، والطلب إليه التردّد على صديق له مندوب في مُمثّلية «مُنظّمة التحرير الفلسطينية» في لندن عبد الرحيم مصطفى، يهدف إلى اتهامه بأنّه هو من طلب منه تنفيذ المُهمّة.
لكن مصطفى كان قد غادر لندن في كانون الثاني/يناير 1987 - أي قبل اغتيال الشهيد ناجي العلي - وحكم القضاء البريطاني على صوان بالسجن 12 عاماً (8 سنوات سجناً فعلياً)، غادر إثر انتهاء المُدّة إلى الأراضي الفلسطينية المُحتلة، حيث أمّن له «المُوساد» لجوءاً في السويد، خشية اغتياله كما جرى مع شقيقه إبراهيم صوان، الذي اغتالته الثورة الفلسطينية في العام 1988، بتهمة العمالة.
إثر هذه الجريمة، اتخذت رئيسة الوزراء البريطانية - آنذاك - مارغريت تاتشر، قراراً بإغلاق مكتب «المُوساد» في لندن.
بعد فشل عملاء «المُوساد» باغتيال رئيس المكتب السياسي لحركة «حماس» خالد مشعل في عمان (25 أيلول/سبتمبر 1997) نشرت صحيفة «يديعوت أحرونوت» الإسرائيلية، قائمة بمهام اغتيال ناجحة ارتكبها «المُوساد» في الماضي، ذُكِرَ ضمنها اسم ناجي العلي.
كانت أمنية ناجي أنْ يُدفَن إلى جوار والده في مُخيّم عين الحلوة، لكن الظروف حالت دون ذلك، فتمّت مُواراة جثمانه الثرى في مقبرة «بروك وود» الإسلامية في لندن، في ضريح حمل الرقم (230191).
 
بين الشجرة والمُخيّم
 
مُنذ طفولتي كُنتُ أسمع من والدي عن صديقه الفنّان ناجي العلي، الذي وُلِدَ في قرية الشجرة بين طبريا والناصرة في فلسطين في العام 1937، واضطرَّ إلى النزوح عنها في العام 1948، لكن بقيتْ هذه السنوات راسخة في مُخيّلته، حيث اعتبر أنّ مولوده الذي عُرِفَ باسم «حنظلة»، كان طفلاً في العاشرة من عمره، وتوقّف تاريخ نموّه عند تلك اللحظة، وهو فلسطيني بأفق قومي، وبُعد كوني - إنساني، وشاهدٍ على الظلم، وسيظل دائماً في هذا العمر الذي غادر فيه فلسطين، ولا يُمكن أنْ يكبر إلا بعد العودة إلى أرض الوطن.
رَسَمَ الفنان ناجي العلي لـ«فاطمة» الفلسطينية التي تُمثّل عنفوان النضال، رغم الحرمان، واعتمد توقيع «حنظلة» الذي تغيّرت وقفته ومعالم يديه، فبعدما أدار ظهره، كتّف يديه بعد حرب تشرين الأول/أكتوبر 1973، حيث كان ناجي يستشف من ذلك تسوية أميركية في المنطقة، نال إثرها الكثير من التهديدات ومُحاولات الاغتيال، وبعد العام 1983 جعل من «حنظلة» حافي القدمين.
حطَّ رحال عائلة ناجي العلي، في الشارع التحتاني للجهة الجنوبية من مُخيّم عين الحلوة، وكان يتنقّل بين خيمة إقامة العائلة وخيمة المدرسة، قبل أنْ يتم استئجار «بركس» مسقوف بألواح «الزينكو» من «أبو جميل».
ولم تستهوه الألعاب، بل كان يحظى باهتمام المُدرّسين الذين وجدوا لديه ميولاً إلى الرسم، الذي كان يُعبّر من خلاله عن مُعاناته وأحاسيسه، بالرسم على دفاتر المدرسة، أو في دكّان والده، أو مُستخدماً قطعاً من الفحم (يأخذها من خيمة ديوان «الأمير» حسين علي (عم صلاح صلاح)، فيرسم على الأرض وجوانب الشوادر المصنوعة من القماش، وبعض الجدران - نادرة الوجود آنذاك - خاصة التي كانت مُخصّصة للحمّامات العامة، ولاحقاً جدار «مدرسة حطين» بالقرب من مكان سكن عائلته.
بقيت رسومات ناجي في مُحيط المُخيّم، ولَقِيَ تشجيعاً من «ضمير فلسطين» أحمد اليماني «أبو ماهر»، فانضم إلى «حركة القوميين العرب»، الذين مارسوا النضال على طريقتهم، وأسّسوا في العام 1959 «نادي الشباب العربي الفلسطيني» في مُخيّم عين الحلوة، وكانت هيئته الإدارية تتألف من: صلاح صلاح، سليم زعيتر (والد كاتب هذه السطور)، سليم أبو سالم، إبراهيم حسين، نصار موعد، سعيد الصالح وأحمد شريدي.كان ناجي يتردّد مع أصدقائه محمد مطر (قريبه) ومحمد النصر (شقيق زوجته لاحقاً) على النادي الذي اتخذ مقرّاً له في الشارع التحتاني وسط مُخيّم عين الحلوة، فكان يجلس على كرسي خشبي صغير، أمام قهوة مُقابل النادي مع أترابه ورفاق الدرب.
حرص مسؤولو النادي على استضافة نخب وشخصيات قيادية، لإطلاع أبناء الشعب الفلسطيني على كل تطوّر، والتركيز على سُبُل النضال من أجل قضية فلسطين، وفي طليعتهم: محسن إبراهيم، أنيس الصايغ وغسان كنفاني.
 
كنفاني يكتشف موهبة العلي
 
في زيارة كنفاني إلى المُخيّم، لفتته رسومات الشاب ناجي العلي، فأُعجِبَ بها، واطّلع على 3 منها كانت تُرسَم بخط اليد، ويتم سحب نُسَخ منها من خلال الـ«ستنسل»، التي كان يتم استخدامها لنسخ الأوراق، والأسئلة في مدارس وكالة «الأونروا»، وتوزّع نسخ منها ضمن نشرة «الصرخة».
نشر كنفاني الرسمة الأولى لناجي العلي في «مجلة الحرية»، التي كانت تُصدِرها «حركة القوميين العرب» (25 أيلول/سبتمبر 1961، العدد رقم 88)، وكانت عبارة عن خيمة تعلو قمّتها يد تلوّح للحرية، قبل أنْ ينطلق ناجي في رحلة ظهور لوحاته على صفحات جريدة «السياسة» الكويتية.
كان ناجي كغيره من المُناضلين الفلسطينيين نزلاء السجن من قِبل «الشعبة الثانية»، فما يلبث الخروج منها مع رفاقه، حتى يعود إليها ثانية، لكن حوّل جدران هذه الزنازين إلى فسحة للتعبير عن مشاعره وأحاسيسه برسوماته المُتعدّدة والمُتنوّعة.
اعتقلت قوّات الاحتلال الإسرائيلي ناجي إثر غزوها لبنان في حزيران/يونيو 1982 خلال وجوده في مدينة صيدا، لكن لم تتعرّف إلى شخصيته الحقيقية، حيث كان يبدو وكأنّه مُسِن، فأُطلِقَ سراحه، حيث انتقل سريعاً إلى بيروت، وبعدها إلى الكويت، ثم لندن، حيث استشهد.
من حسن حظّي أنّ أوّل كتاب تسلّمته كان رسومات من الفنان ناجي العلي ومُوقّع منه شخصياً، في العام 1981 في صيدا، خلال زيارته في منزله بنزلة صيدون - صيدا، برفقة قريبه شاعر الثورة الفلسطينية إبراهيم محمد صالح «أبو عرب»، بحضور زوجته وداد صالح النصر «أم خالد»، وكان يضم مجموعة رسوماته، ضممتها إلى مجموعة الكتب التي فزت بها عن المُشاركة في مُسابقة حملت اسم «الشهيد غسان كنفاني»، وكانت مجموعة قصص له، لكن مع الغزو الإسرائيلي للبنان في العام 1982، واقتحام قوّات الاحتلال لمنزل العائلة في صيدا، أقدم على إتلاف هذه الكتب، مع مجموعة من الكتب التي تُعنى بالقضية الفلسطينية.
بين محطّات ناجي العلي في الكويت ولبنان ولندن والصحف التي رسم على صفحاتها، أصبح للرسم الكاريكاتوري معانٍ مُختلفة عن المرحلة السابقة، وأجبر القرّاء على استهلال قراءة الصحيفة من الصفحة الأخيرة وليس الأولى.

المصدر :جنوبيات