بأقلامهم >بأقلامهم
حُسام زُملط: محاور استثنائي!
حُسام زُملط: محاور استثنائي! ‎السبت 21 10 2023 09:22 عبد الغني طليس
حُسام زُملط: محاور استثنائي!

جنوبيات

إسمُه حُسام زُملط - سفير فلسطين في بريطانيا- أستاذ جامعي وديبلوماسي وأكاديمي. لم أشاهده من قبل في أي مقابلة تلفزيونية. منذ يوم السبت الذي انطلقت فيه عملية « حماس» على غلاف غزّة، وأغلب الشاشات تستقبله. هو ممثّل للسلطة الفلسطينية لكنّ منطقَهُ منطق الفلسطيني المقهور المظلوم المرميّ بين السيف والنار لا منطق من يدافع عن سُلطَة. وكل المقابلات التي تجري معه تستدرجه من البداية إلى التنديد بمقتل الأبرياء من شعب إسرائيل في العملية الحماسية - الجهادية، وكل أكاديميّته ورباطة جأشه يوظفها في تسخيف بدايات من هذا النوع لأي حوار معترضَاً: «هل قابلتم في أي وقت سابق مسؤولاً إسرائيلياً وطلبتم منه أن يدين هجوماً اسرائيلياً على الفلسطينيين حتى في عزّ هجوم جيشكم على الشعب الفلسطيني»؟ ومع أنه يعتبر إدانة قتل المدنيين إلى أي جهة انتموا أمراً ضرورياً، إلّا أنه يُعيد محدِّثَه إلى الأساس التاريخي الذي هو اغتصاب الأرض وحتميّة البحث عن حلّ دائم. ورغم أن الدفاع عن موقف السلطة في هذا التوقيت حَرِج على أربابها، إلّا أن زملط قادر عبر مزجه التاريخ الأليم بالجديد بالتنازلات التي قدّمها الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات وفيها كل ما طلبَته إسرائيل وأميركا من دون أن يحصل على فُتات واحدٍ في المئة من اتفاقية أوسلو على أرض فلسطين، ويَكسبُ زملط المُتابع له، بما لديه من تواتر في الكلام وتتالٍ في المعاني السياسية وحكمة في الطرح إلى الحد الذي يُسقَط في يد سائله المدجّج بالأسئلة الجاهزة والخشبية.
أهمّ ما في زملط أنه شاطر في استحضار الأفكار المناسِبة في وقتها وعند حاجتها فكأن ثمّة مُنَبِّهَاً معهُ يضغط عليه فيأتي الجواب الوجداني المتمَكِّن من دلالاته من غير زيادة ولا نقصان، من غير تطويل ولا تجميل، من غير شرود ولا برود.

أعتقدُ أن حسام زملط هو أفضل مِن «حماس» في الدفاع عن «حماس» لا لأنه يخفي انتماء أو مَيلاً إليها بل لأنه يتبنّى كل ما فعله ياسر عرفات لإثبات حُسْن النية مع إسرائيل فكانت النتيجة إهانته في «المقاطعة» و»قتله» على سنواتٍ بعذاب صهيوني فعلي، هو وشعبه وفريقه الوطني وحتى كل مَن يدافع عنه. وتالياً فإن على إسرائيل أن تعود إلى حيث «سالَمَها» «الختيار» وتنظر في أسلوبها البربري العنصري الوحشي في التعامل معه قيادةً وشعباً وسياسةً.
لا تستشف في كلام زملط دعوة إلى «إرهاب» ولا حالةً من تعصّب مريض، ولا تشجيعاً لسفك الدم، بل تشعر أنه يحمل مبادئ العدل الحقيقية والسلام اللّذَين تسوّيهما إسرائيل كل مرّة بالأرض مع أبراج غزّة لا لشيء إلى لتنفيذ نظرية شيمون بيريز: «ما لا تستطيع تحقيقه بالدمار، تستطيع تحقيقه بالمزيد من الدمار»... والسبعون سنة الماضية تقدّم البرهان القاطع بأن الدمار يجلب الدمار المقابل ولا يحقق شيئاً إلّا ما في نفوس اصحاب العقل التطهيري من الأوهام.

لو كنت قادراً على قول كلمة في شأن هذا الرجل، فبإعجابٍ أقول إن حسام زملط ينبغي أن يتحول رَجُلَ المقاوَمة أو السلطة الأبرز إعلاميّاً في المرحلة المقبلة التي ستتطلّب مواجهةً ميدانية عقلية وبلاغة سياسية مُكثّفة في الإقناع من دون أي إنشاء أو أدب أو موشّحات، ليكون الدفاع عن الحقوق ابن الواقع والمنطق والوجدان والتاريخ، بعدما أصبحَ مجرد ذكرِ هذه العناصر يثير قرفَ المنتظرينَ سيادة العقل!
احفظوا اسم حسام زملط في القضية الفلسطينية. منذ زمن لم أشاهد أو أستمع إلى شخصية فلسطينية مؤثّرة بهذا الشكل العفوي الذي لا يتعب في استحضار المعلومة أو الردّ بل يأخذُهما ببساطة المؤمن بقضيّته التي يشاهدها تتمزّق بين أصابع أعدائه، ويعرف أن دوره التاريخي هو استعادتها. سيكون زملط ذا شأن كبير.
وهذه الحرب الإعلامية التي تجري في العالَم، وفيها تنكشف لا الوجوه فقط بل العورات الأخلاقية والسياسية في المجتمعات الغربية  التي لم تكتفِ قياداتها بأن كلّفت إسرائيل كحليف أو كصديق أو كمستفيد منها، بأن ترتكب ما تريد في معرض الثأر على عملية ٧ تشرين، وإنما وقفت وراءها في كل قرار سياسي سوف تتخذه من القصف وهدم الأبراج إلى التهجير الجماعي إلى اللجوء إلى مصر في معرض «إنهاء» الفلسطينيين ومعهم القضية الفلسطينية.. هي حربٌ لا يستطيع صاحب أخلاق أو ضمير أو معرفة بحقوق الشعوب والأفراد إلّا أن ينتصر فيها لفلسطين والفلسطينيّين. فالشجاعة مطلوبة. والحكمة مطلوبة. وقد يكون الشتم أحياناً مطلوباً حين يخرج الحدَث عن أن يتسم بالطبيعية أو المعقول، لكنّ المطلوب أكثر فأكثر هو الحجة. هو اللسان العارف ما يقول، وهو العقل الذي يقرأ الأحداث من تلابيبِها ليدلي برأي. حسام زملط من هذا الرعيل الجديد الممتلئ شهامة وتحليلاً وثباتاً وحنكة في ردّ حجارة الأسئلة برصاصة لا تدمي ولكنها تخرق جدار التلوّن الذي قتلنا نحن العرب!

حُسام زُملط: محاور استثنائي!
المصدر : اللواء