26 محرم 1448

الموافق

الأحد 12-07-2026

علم و خبر 26

علم و خبر 26

بأقلامهم بأقلامهم جَنوبي، مَزادٌ على وجعٍ …
جَنوبي، مَزادٌ على وجعٍ …
رشا ابو غزالة
2025-09-06
جَنوبي، مَزادٌ على وجعٍ …

على صفحات التواصل الإجتماعي، نغرقُ يومياً بتصريحاتٍ وإتهاماتٍ، من سياسيين وصحافيين ومؤثّرين، ومِن كلِّ مَن نصَّبَ نفسه وليًّا على الجنوب،كأنّ نفحةَ حبِّ الجنوب أوقدت فيهم حماسةً تفوق أبناءَ الجنوب أنفسهم: والجنوب؟ أهو متروكٌ لمصيره وإسرائيل تقصفه من دون رادعٍ؟
لم نسمع أي تصريحٍ أو إدانةٍ، أين هم أصحاب السيادة من الإعتداءات الإسرائيلية؟ أين هي الحكومة؟ وكأنّ الجنوب ليس منطقةً من لبنان! 
أنا إبنةُ الجنوب، إبنةُ قريةٍ صغيرةٍ بُنِيَت حجارةُ كنيستِها على أنغامِ صوت المؤذن؛ قرية صغيرة قاومت النيران في العام ١٩٩٤ و ٢٠٠٦ والحرب الأخيرة؛ 
أنا إبنةُ رجلٍ لم يترك منزله حين تركه كثرٌ أخرون؛ حمى الأرض والبيت، وواجه القصف والنيران كأنها جزءٌ من حياتِه اليومية، 
أنا إبنةُ الأرض التي شَهِدْتُ دمارَها من سطحِ منزلنا، بأمِّ عيني، خلال عناقيد الغضب، وإبنة عائلةٍ صمَدَت في حرب تموز على الرغم من الدّمار والخطر؛ 
رأيتُ منزلي ينهارُ في الحرب الأخيرة، ورأيتُ جاري يُسحَقُ، ورفاقي مِمّن نشأتُ معهم يتحوّلون الى ذكرياتٍ على الأرض؛
رأيتُ براءةَ طفلٍ تتطاير أمامي من قوة صاروخٍ قرب منزلنا، وعرفتُ معنى أن يعودَ رفيقٌ لي جثةً أو أشلاء، وربما ليست أشلاءه؛ 
أنا جنوبيةٌ، أبًا عن جدٍّ، وأعرفُ معنى الصمودِ ومعنى التعلّقِ بالأرض. نشأتُعلى حبّ الجنوب وما زلت هنا، في هذه الأرض، أعيش وأصمد، 
ما زالت عيني تدمعُ كلّما وقَعَت على صورة صديقٍ معلّقةٍ على صدر أبيه؛ فقدتُ اخوَةً لي في الجيرة وإنْ لَم يكونوا إخوةً في الدّم. 
أنا جنوبيةٌ، أخي النقيب البطل روي، الذي لطالما تمنّى، قبل أن يستشهدَ في نهر البارد شمالاً، أن تكون خدمتُه في الجنوب لكي يقاتل العدوَّ، فقَتلَه عدوُّ الداخل! 
كفى مزايداتٍ على أبناءِ الجنوب، فنحن من دفعنا الثمن ونحن من عرَفْنا معنى الخسارةِ والصمودِ في آنٍ. 
تسألون أين هُم أصحابُ السّيادة؟ أصحابُ السّيادة يا سادة، هم ذاتُهم أبناءُ الأرض. الرئيسُ الذي تتّهِمونه بالعمالة هو ابن الجنوب، خدم نصف عمره بين أهله، وسُقيت أرض الجنوب والحدود والخط الأزرق بتضحياته وتضحيات رجاله.
وقائد الجيش، العماد رودولف هيكل، الذي تحكمون عليه بالخيانة بحسب الظروف والمصالح، هو أيضاً ابن الجنوب، فَقَدَ رفاقَه في الحرب الأخيرة وقدّم جيشُه دماءً غالية في سبيل حماية الجنوب.
لا تزايدوا إذن علينا في حبِّ الجنوب ولا تعلِّمونا كيف يكون التعلق بأرض الجنوب، فكثرٌ منكم، يا من تجاهِرون بحبِّ الجنوب، تركتم أرضَه ورحلْتُمم إلى أقاصي الشمال وأصقاعِ البقاع وقلبِ العاصمة، أو إلى بلاد أخرى، كأنَّ الجنوبَ لم يكُن يوماً مهدَكُم وملاذَكم؛ أما نحن فبقينا نحصي الصواريخَ مِن على أسطُحِ بيوتِنا والغاراتِ من شرفاتِنا ونرى جنوبَنا بسَهولِه وجباله يدْفُنُ شباباً في ربيعِ عمرِهم أشلاء تلو الأخرى. 
كفى لعباً على وترِ الطائفية وتقسيمِ الجيش، فجيشُنا لم ولن ينقسم، ومن كان قائده العماد جوزاف عون ومن يقودُه اليوم العماد رودولف هيكل، لن ينقسمَ يوماً لأجل غاياتٍ سياسيةٍ ساقطةٍ، فَمَن أقسمَ الولاءَ للبزّة العسكرية مُنضَوياً تحت راية الشرف والتضحية والوفاء، لن يحتكر لحزبٍ ولن تُقيِّده طائفيةٌ! 
ففي لحظةٍ من التزويرِ الوقحِ، نسبَت احدى الصحف إلى  الرئيس عون والعماد هيكل أقوالاً لم يقُلْها أحدٌ منهما. معروفةٌ هي الغايةُ التي برَّرَت إنحطاطَ الوسيلة، لكن متى تتوقفُ هذه الصحيفةُ وغيرها من الأبواقِ عن التّلفيقِ اليومي؟ متى تتوقفُ عن استخدامِ الأسماء الوطنية لخلق الفتنة؟ 
الإعلام يا سادة ويا جهابذة، حين يتحول من مرآةٍ تعكسُ الحقيقةَ إلى فرشاةٍ تُزيِّنُ الزيفَ، يُصبِح ُ شريكاً في الجريمة لا ناقلاً للواقع. وعندما نُشيرُ بأصابعنا إلى هذا الإنحدارِ ونَصِفُ الصحافةَ بالمأجورة، يُسارِعُ البعض إلى الإنتفاض، لا دفاعاً عن الكلمة بل عن الإمتيازات التي جَلَبها الإنحياز. 
متى تعودُ صحافتُنا إلى موقعِها الحقيقي كسلطةٍ رابعةٍ؟
ومتى يفهمُ بعض من فيها أن الشرفَ لا يُكتَبُ بأوامرِ التحرير، بل يُصاغُ بالمواقفِ ويُوَقَّعُ بالضمير ! 
وأعودُ إلى جنوبي...
قال جبران خليل جبران : "لكُم لبنانُكُم ولي لبناني؛ لكُم لبنانُكُم ومعضلاتُه ولي لبناني وجمالُه!" 
لا تدفعونا إلى أن نقول: لكم جنوبكم ولنا جنوبنا، لا تدفعونا إلى أن نشعر أن جنوبَكم غريبٌ عنكم، أنتم من تزايدون علينا بحبِّ أرضِ الجنوب. 
جنوبي ليس للبيعِ في سوقِ المزايدات وليس ورقةً في بازار السياسة، 
جنوبي ليس ساحةً للتجاذبات ولا أرضاً لتصفيةِ الحسابات، 
جنوبي طفلٌ نزح مذعوراً من قريته، تاركاً لعبَتَهُ التي لم يُمهِلْهُ الصاروخُ أن يحملَها معه، 
جنوبي عجوزٌ أوْصَت أن تُدفَنَ في عتبةِ بيتها، فإذا بها تُسلِمُ الروحَ في أرضٍ لم تكن ارضَها ولا دفءَ جيرتها، 
جنوبي أبٌ أفنى عمرَهُ يدُكُّ حجراً فوق حجرٍ بعرق جبينه، فإذا بالحربِ تهدمُ حجرَه وتسفكُ عرقَه وتتركُ جبينَهُ مضرجاً بدماءِ من رحل! 
إرحَموا البشرَ قبل الحجر، ولا تُسقِطوا جنوبي مرّتيْن: مرةً في الحرب ومرةً في الإتهامات والمزايدات!
 
* شقيقة النقيب الشهيد روي أبو غزالة

أخبار مماثلة