في زَمَنِنا الرَّاهِنِ، لَم يَعُدْ لِلوُضوحِ مَكانٌ، وَلا لِلْحَقائِقِ نَصيبٌ في صَدارَةِ المَشهَدِ. نَحنُ في زَمَنٍ تَتَشابَكُ فيهِ الخُيوطُ حتَّى يَصعُبَ التَّمييزُ بَيْنَ الأَبْيَضِ وَالأَسْوَدِ، زَمَنٍ يُدارُ مِن وَراءِ السِّتارِ بِصَفَقاتٍ تُبْرَمُ في الغُرَفِ المُغْلَقَةِ، وَيُسَوَّقُ لَها في السَّاحاتِ العامَّةِ تَحْتَ شِعاراتٍ بَرَّاقَةٍ. إنَّهُ زَمَنُ حاتِم زَهران.
حاتِم زَهران، ذاكَ الاسمُ الَّذي عَلِقَ في الذَّاكرَةِ مِنَ الفِيلْمِ المِصرِيِّ الشَّهيرِ، لَم يَكُنْ مُجرَّدَ شَخصِيَّةٍ دِرامِيَّةٍ، بَل رَمْزًا لِرَجُلٍ يَملِكُ دَهاءً سِياسِيًّا لا يُضاهى، وَقُدْرَةً على التَّلوُّنِ بِما يَقتَضيهِ المَوقِفُ، وَمَهارَةً في تَقدِيمِ نَفْسِهِ بِما يُناسِبُ كُلَّ جُمهورٍ، حتَّى وَإنْ كانَ الثَّمَنُ التَّخَلِّي عَنِ الثَّوابِتِ. لَقَدْ تَحَوَّلَ هذا النَّموذَجُ مِن شَخصِيَّةٍ خَيالِيَّةٍ إلى واقِعٍ مُعاشٍ في كُلِّ مِيدانٍ، مِنَ السِّياسَةِ إلى الاقتِصادِ، وَمِنَ الإدَارَةِ إلى الحَياةِ اليومِيَّةِ.
اليَومَ، نَرى حاتِم زَهران في وُجوهٍ كَثيرةٍ: مَسؤولٌ يَرفَعُ شِعارَ النَّزاهَةِ وَهو يُفاوِضُ في الخَفاءِ على نَصيبِهِ مِنَ الكَعكَة، وَتاجِرٌ يَتَحَدَّثُ عَن خِدمَةِ الوَطَنِ فيما هُو يُراكِمُ الأَرباحَ مِن قُوتِ النَّاسِ، وَمُثَقَّفٌ يَبيعُ صَوتَهُ في مَزادِ الوَلاءاتِ. في هذا الزَّمَنِ، لَم يَعُدِ البَقاءُ لِلأَصلَحِ، بَل لِلأَقدَرِ على المُراوَغَةِ، وَلِمَن يُتقِنُ فَنَّ التَّحالُفاتِ المُؤقَّتَةِ، حتَّى وَإنْ كانَ حَليفُ اليَومِ خَصمَ الغَدِ.
المُؤلِمُ أَنَّ هذا النَّمطَ مِنَ الشَّخصِيَّاتِ يَجِدُ بِيئَةً خَصْبَةً لِلنُّمُوِّ، وَسْطَ أزماتٍ اقتِصادِيَّةٍ خانِقَةٍ، وَفَوضى سِياسِيَّةٍ عارِمَةٍ، وَفقدانِ الثِّقَةِ بَيْنَ المُواطِنِ وَالدَّوْلَةِ. هُنا، يُصبِحُ الحُلمُ بِالإِصلاحِ الحَقِيقِيِّ ضَربًا مِنَ المِثاليَّةِ، بَينَما الواقِعُ يَفرِضُ عَلَينا أَن نُراقِبَ بِحَذَرٍ كَيفَ يُعادُ تَوزيعُ النُّفوذِ بَيْنَ "حاتِمٍ" وَ"حاتِمٍ" آخَرَ، في مَشهَدٍ لا يَنتَهِي.
وَلَكِن، وَعَلى الرَّغمِ مِن قَسوَةِ الصُّورَةِ، يَبقَى الأَمَلُ قائِمًا بِأَنَّ الزَّمَنَ قَد يَدُورُ، وَأَنَّ الحَقائِقَ مَهما طُمِرَتْ، سَتَجِدُ طَريقَها إلى النُّورِ. فَالتَّاريخُ عَلَّمَنا أَنَّ الأَقنِعَةَ لا تَدومُ، وَأَنَّ الحِيلَةَ قَد تَربَحُ جَولَةً، وَلَكِنَّها لا تَكسبُ الحَربَ.
إنَّهُ زَمَنُ حاتِم زَهران... فَلْيَكُنْ وَعْيُنا أَقوَى مِن دَهائِهِ.