إنَّ لِكُلِّ إنسانٍ في هذِه الحَياةِ أَثَرًا يَترُكُهُ، فَمِنْهُ ما يَذْهَبُ مَعَ الرِّيحِ، وَمِنْهُ ما يَبْقى كَنُقْشٍ في صَخرٍ أو كَعِطرٍ يَسْكُنُ الأيّامَ وَالأرواح. وَأَجمَلُ ما يَبْقى هُوَ البَصْمَةُ الجَميلَةُ الّتي يَصْنَعُها الإنسانُ بِخَيرِهِ وَعَطائِهِ وَكَلِمَتِهِ الطَّيِّبَةِ.
إِنْ فَقَدْتَ يَومًا مَكانَ بُذُورِكَ الّتي بَذَرْتَها، فَسَيُخْبِرُكَ المَطَرُ أَيْنَ زَرَعْتَها؛ فَالمَعروفُ لا يَضيعُ، وَالإحْسانُ لا يَذْهَبُ سُدًى. اِبْذُرِ الخَيْرَ فَوْقَ أَيِّ أَرْضٍ، وَتَحْتَ أَيِّ سَماءٍ، وَمَعَ أَيِّ أَحَدٍ، فَأَنْتَ لا تَدْرِي أَيْنَ تَجِدُ ثَمَرَتَهُ وَمَتَى تَجِدُها. رُبَّما تَراهَا عاجِلًا فَتَسْعَدُ بِها، وَرُبَّما يَدَّخِرُها اللهُ لَكَ أَجْرًا وَذُخْرًا في الآخِرَةِ.
مَا أَجْمَلَ العَطاءَ إِذَا كانَ خالِصًا!
فَهُوَ كَالماءِ العَذْبِ، يَسْقي قَلْبًا يَذْبُلُ، أَو يَرْوي رُوحًا تَعِبَةً، أَو يُحْيي في الدُّروبِ أَمَلًا كادَ يَخْمَد. وَقَدْ تَغِيبُ عَنِ المَشهَدِ، وَلَكِنْ تَبْقى بَصْمَتُكَ تُضيءُ الطَّريقَ لِمَنْ يَأْتي بَعْدَكَ.
إِنَّ الدُّنيا مَدارُها عَلى الأَثَرِ الباقي، فَمَنْ جَعَلَ بَصْمَتَهُ جَميلَةً نَقِيَّةً صَفِيَّةً، أَحْيَا اللهُ ذِكْرَهُ وَأَجْرَى دُعاءَ الخَيْرِ عَلَيْهِ مَا دَامَتِ الحَياةُ. فَكُنْ مِمَّنْ يُزْهِرُونَ الأَماكِنَ بِحُضُورِهِم، وَيَتْرُكُونَها أَنْقى وَأَبهى حَتّى بَعْدَ غِيابِهِم.
فَالبَصْمَةُ الجَميلَةُ لا تَزولُ، وَإِنَّما تَسْكُنُ في القُلُوبِ كَالعِطْرِ الّذي يَفيضُ وَيَنْتَشِرُ، وَهِيَ أَجْمَلُ ما يَحمِلُهُ الإنسانُ مَعَهُ إِلى آخِرَتِهِ، وَأَبْهى ما يُورَثُهُ لِمَنْ يَجيءُ بَعْدَهُ.