فِي زَمَنٍ يَسُودُ فِيهِ الْجَفَافُ الْإِنْسَانِيُّ، وَتَغْلِبُ عَلَيْهِ الْمَصَالِحُ الذَّاتِيَّةُ، يَبْقَى فِعْلُ الْخَيْرِ مَنْهَجاً نَبِيلاً وَخَطّاً مُشْرِقاً يَسْتَحِقُّ أَنْ يُرْوَى وَيُقْتَدَى بِهِ. فَلَيْسَ كُلُّ مَنْ حَاوَلَ خَدَمَةَ غَيْرِهِ قَادِراً عَلَى إِتْمَامِ مَا بَدَأَهُ، وَلَكِنَّ الْمُهِمَّ أَنَّهُ قَامَ بِالْمُحَاوَلَةِ، وَسَعَى بِإِخْلَاصٍ، وَهُنَا تَكْمُنُ الْقِيمَةُ الْحَقِيقِيَّةُ.
وَيُثْبِتُ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ هَذِهِ الْحَقِيقَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾، فَجَعَلَ الْجَزَاءَ مُرْتَبِطاً بِالسَّعْيِ، لَا بِالنَّتِيجَةِ. وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْقِيمَةَ تُقَاسُ بِالْجُهْدِ وَالنِّيَّةِ، وَلَيْسَ بِحَجْمِ الْإِنْجَازِ فَقَطْ.
وَقَدْ أَشَارَ الْإِمَامُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ، إِلَى هَذَا الْمَعْنَى حِينَ قَالَ: «مِنْ نِعَمِ اللهِ عَلَيْكُمْ حَاجَاتُ النَّاسِ إِلَيْكُمْ، فَلَا تَمَلُّوا هَذِهِ النِّعَمَ». وَهُوَ قَوْلٌ يَكْشِفُ أَنَّ الْمَسْؤُولِيَّةَ الِاجْتِمَاعِيَّةَ لَيْسَتْ عِبْئاً، بَلْ نِعْمَةً وَمِنْحَةً، فَمَنْ كَانَ مَحَطَّ ثِقَةِ النَّاسِ، وَمَطْلَبَ حَوَائِجِهِمْ، فَقَدِ اخْتَارَهُ اللهُ لِيَكُونَ جِسْراً بَيْنَ الضَّعْفِ وَالْقُوَّةِ، وَبَيْنَ الْعَوَزِ وَالْكَفَايَةِ.
إِنَّ الْمُحَاوَلَةَ لِخِدْمَةِ النَّاسِ، وَإِنْ كَانَتْ مُتَوَاضِعَةً، كَكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ، أَوِ ابْتِسَامَةٍ صَادِقَةٍ، أَوْ سَعْيٍ لِتَفْرِيجِ كُرْبَةٍ، هِيَ فِي الْحَقِيقَةِ مَوْقِفٌ عَظِيمٌ عِنْدَ اللهِ وَعِنْدَ النَّاسِ. فَالنِّيَّةُ الْخَالِصَةُ تُحَوِّلُ الْخُطُوَاتِ الصَّغِيرَةَ إِلَى أَعْمَالٍ جَلِيلَةٍ، وَتَجْعَلُ الْمُحَاوِلَ مُسَاهِماً فِي صِنَاعَةِ الْأَمَلِ.
وَعَلَيْنَا أَنْ نُدْرِكَ أَنَّ الْخَيْرَ لَا يُقَاسُ بِحَجْمِ مَا نُحَقِّقُهُ، بَلْ بِقَدْرِ مَا نُقَدِّمُهُ بِإِخْلَاصٍ. وَمَا أَجْمَلَ أَنْ يَخْتِمَ الْإِنْسَانُ سَعْيَهُ بِيَقِينٍ صَافٍ يَقُولُ فِيهِ: «يَكْفِي أَنَّنِي حَاوَلْتُ»، فَالْمُحَاوَلَةُ نَفْسُهَا عِبَادَةٌ، وَبُذُورُهَا لَا تَضِيعُ عِنْدَ رَبٍّ كَرِيمٍ.