25 محرم 1448

الموافق

السبت 11-07-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

بأقلامهم بأقلامهم "تَمَخَّضَ الجَبَلُ"!
"تَمَخَّضَ الجَبَلُ"!
القاضي م جمال الحلو
2025-09-15
"تَمَخَّضَ الجَبَلُ"!

يُقالُ في الأَمثالِ:
 "تَمَخَّضَ الجَبَلُ فَوَلَدَ فَأْرًا".
 يُضرَبُ هذا القَولُ حينَ يُنتَظَرُ مِن حَدَثٍ ما أو مِن وَعْدٍ عَظيمٍ أنْ يُغَيِّرَ مَجرى الأُمورِ، فَإذا بِالنَّتيجَةِ هَزيلَةٌ، لا تُساوي شَيئًا أمامَ الضَّجيجِ الَّذي سَبَقَها. ولَعَلَّ هذا المَثَلَ يَجِدُ في واقِعِنا المُعاصِرِ مَوطِنًا خَصِبًا لم تَعرِفْهُ العُصورُ السّابِقَةُ، إذْ غَدا حالُنا أَسيرًا لِلوُعودِ البَرّاقَةِ وَالشِّعاراتِ المُدَوِّيَةِ، بَينَما لا يُثمِرُ الواقِعُ إلّا خَيبَةً وَتَراجُعًا.

لَقَدِ اعتادَ النّاسُ في هذا الزَّمَنِ المأزومِ على أَصواتٍ تَتَعالى في المَنابِرِ، تُبَشِّرُ بِالإِصلاحِ وَالتَّغييرِ، وَتَعِدُ بِمَشاريعَ كُبرى تُعيدُ لِلوَطنِ عِزَّهُ وَكَرَامَتَهُ، حتّى إِذا ما آنَ أَوانُ القِطافِ، وَجَدوا أَنفُسَهُم أَمامَ سَرابٍ يَلهَثونَ خَلفَهُ فَلا يَجِدونَ مِنهُ إِلّا الغُبارَ. وَكَأَنَّ النَّسْلَ الَّذي بُشِّروا بِهِ لَم يَكُنْ سِوى فَأْرٍ هَزيلٍ لا يَقوَى على مُواجَهَةِ تَحَدِّياتِ العَصرِ.

إِنَّ المُعضِلَةَ لا تَكمُنُ فَقَطْ في خَيبَةِ الوُعودِ، بَلْ في اِنْعِكاسِ هذِهِ الخَيباتِ على وِجدانِ النّاسِ وَسُلوكِهِم. فَحينَ يَعتادُ المُواطِنُ سَماعَ الشِّعاراتِ الفارِغَةِ، وَيَتَأقْلَمُ مَعَ غِيابِ الصِّدقِ وَالمِصداقِيَّةِ، تَنشَأُ حالَةٌ مِنَ اللّامُبالاةِ، وَرُبَّما مِنَ السُّخرِيَةِ المَريرةِ، فَيَفقِدُ المُجتَمَعُ ثِقتَهُ بِقِيادَاتِهِ وَمُؤسَّساتِهِ، وَيَغدو الشَّكُّ هُوَ القاعِدَةَ بَدَلَ اليَقينِ. وَهُنا يَكمُنُ الخَطَرُ الأَكبَرُ، إِذْ يُصبِحُ البِناءُ على أَرضٍ رَخوَةٍ، لا أَساسَ لَها.

لَقَد آنَ الأَوانُ أَن يُقالَ لِلأَوهامِ: كَفَى، وَأَن يُستَبدَلَ الزَّيفُ بِالحَقائِقِ، وَالوَهمُ بِالعَمَلِ الصّادِقِ. فَما أَحْوَجَنا في هذَا الزَّمَنِ إِلى إِنجازاتٍ صامِتَةٍ تُغنِي عَن خُطَبٍ طَويلَةٍ، وَإِلى خُطواتٍ ثابِتَةٍ تُقاسُ بِما تُحَقِّقُهُ على الأَرضِ لا بِما تُبَشِّرُ بِهِ في الهَواءِ. فَالشُّعوبُ لا تُطعِمُها الوُعودُ، وَلا تُداويها الخُطَبُ، إِنَّما تُنقِذُها القَراراتُ الصّادِقَةُ وَالمَشاريعُ الجادَّةُ.

إِنَّ تَمَخَّضَ الجَبَلِ لَيسَ قَدَرًا مَحتُومًا عَلَينا، بَلْ هُوَ تَنبِيهٌ صارِخٌ إِلى ضَرورَةِ اليَقظَةِ مِنَ الغَفلَةِ، وَإِلى أَنَّ صِناعَةَ الغَدِ لا تَكونُ بِالتَّمَنِّي، بَلْ بِالفِعلِ. وَإِنَّ أَوَّلَ الطَّريقِ نَحوَ الخَلاصِ أَن نُحاكِمَ الأَقاوِيلَ بِميزانِ الأَفعالِ، وَأَن نَرفُضَ أَن نَكونَ وقودًا لِوُعودٍ لا تُسْمِنُ وَلا تُغنِي مِن جُوعٍ.

 

جنوبيات
أخبار مماثلة