في لبنان السّتينيّات، حيث تختلط البراءة الفلّاحيّة بدهاء الإقطاع، تُروى حكاية طريفة تحمل في طيّاتها حكمة عميقة عن البيع والشّراء، وعن كيفيّة استغلال البسطاء بذكاء السّاسة ونفوذهم.
يُروى أنّه قبيل الأحداث اللبنانيّة، وفي أواخر ستّينيّات القرن الماضي، كان هناك مزارع من منطقة صيدا يملك بئر ماء، مياهها صافية، عذبة، تروي الشّاربين. وقد أراد بيعها بنيّة السّفر والهجرة.
هذا، وقد أراد سياسيّ لبنانيّ إقطاعيّ وعريق أن يشتري هذه البئر. وبالفعل اشتراها بسعر مغرٍ. وفي اليوم التّالي أرسل السياسيّ رجاله لتعبئة الماء من البئر، فمنعهم المزارع من ذلك قائلًا لهم: أنا بعت البئر، لكنّي لم أبع زعيمكم الماء الذي فيها. فإذا أراد زعيمكم تعبئة الماء، فعليه أن يدفع ثمنها.
غادر الرّجال المكان، وأبلغوا زعيمهم ما حصل معهم. فانتفض من مكانه وتوجّه بسرعة إلى مكان المزارع، وما إن وصل إليه بادره بالقول:
فعلًا، لقد بعتني البئر، لكنّك تركت مياهك فيها. فإمّا أن تُخرج الماء منها الآن، وإمّا أن تدفع بدل إيجارك البئر مبلغًا وقدره: عشر ليرات ذهبيّة إنكليزيّة عن كلّ يوم.
اختلجت نفس المزارع وأحسّ كأنّ صاعقة أصابته في رأسه، وأعلن تخلّيه عن البئر "بالمياه التي فيها"، وغيّر مهنته وتخلّى عن فكرة السّفر.
وعلى ذمّة الرّاوي الحاج أبو خليل الصيداويّ الذي صرّح قائلًا:
لقد أصبح كلّ من ولدَي السّياسيّ والمزارع يعملان في قطاع السّياحة والسّفريّات، والتجارة بالخرضوات، وشعارهما: هات ما عندك هات!
وهكذا غدا البئر والماء، والفلاّح والسّياسيّ، صورة مصغّرة عن واقع أكبر. واقع يختصره ذاك الشّعار الشّعبيّ السّاخر الذي يليق بزمننا كما لاق بزمنهم: "هات ما عندك هات!"