26 محرم 1448

الموافق

الأحد 12-07-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

بأقلامهم بأقلامهم "ومنَ العِلمِ ما قَتَل"!
"ومنَ العِلمِ ما قَتَل"!
القاضي م جمال الحلو
2025-09-21
"ومنَ العِلمِ ما قَتَل"!

لقد دخلَ الذكاءُ الاصطناعيُّ حياتَنا دخولَ السَّيل، لا يستأذنُ بابًا ولا يُبقي جدارًا. صار حاضرًا في المدرسةِ والجامعة، في المصرفِ والمصنع، في المستشفى والمكتب، حتى في البيت والهواتفِ الذكيّة. أضحى يُنجزُ الأعمالَ بسرعةٍ تفوقُ العقلَ البشري، ويُنتجُ نصوصًا وصورًا وأفكارًا كأنَّهُ عَقلٌ خارق، فيما الأدمغةُ التي صاغته تتكئُ عليه شيئًا فشيئًا، حتى تكادُ تُعطِّلُ ذاتها عن التَّفكير.

والمفارقةُ صادمة: الصّنيعة التي أبدعها العقل، إذا بها تُزاحمه على عرشِه. فالموظَّفُ يخشى أن يُستَبدَل، والطَّالبُ يكتفي بإجاباتٍ جاهزةٍ بدلَ البحث، والصِّحافةُ تُنشرُ فيها مقالاتٌ لا يَعرفُ القارئُ أهي من قلمٍ بشريٍّ أم من برنامجٍ ذكيّ. وفي زحمةِ هذا التدفُّق، يُحدِقُ بنا خَطرٌ داهم: أن يَغفو العقلُ الجماعيُّ في سُباتٍ عميقٍ، وأن يُستبدل الاجتهاد براحةٍ مُخاتلةٍ، والإبداع باستهلاكٍ أجوف.

إنَّ الخطرَ ليس في الذّكاءِ الاصطناعيِّ بذاتِه، بل في علاقتِنا به. حين نُحسنُ استخدامه يكون أداةً للارتقاء، يختصرُ الوقتَ ويُضاعفُ الإنتاجَ ويُحفِّزُ الابتكار. وحين نُسيءُ استعماله أو نُفرِطُ في الاتكالِ عليه، يتحوَّلُ إلى طاغيةٍ صامتٍ، يُضعِفُ الذَّاكرةَ، ويُشوِّشُ البصيرةَ، ويَسلبُنا معنى الاجتهاد.

إنَّ المجتمعاتِ اليومَ على مفترقِ طُرق: إمَّا أن تَجعلَ من الذّكاءِ الاصطناعيِّ شريكًا مُعينًا لا بديلاً عن الإنسان، أو أن تُسلِّمَ له مَفاتيحَ الحياةِ كافّةً، فتغدوُ الأدمغةُ مُطفأةً، والعقولُ مُعطَّلةً، والإنسانُ مُجرَّد مُستهلكٍ لأفكارٍ مُعلَّبة.

إنَّ التقدُّمَ الحقيقيَّ ليس في أن تُفكِّرَ الآلةُ مكانَنا، بل في أن تُحفِّزَنا على أن نُفكِّرَ أفضل. وإلّا فإنَّ مقولةَ "ومنَ العِلمِ ما قَتَل" ستغدو واقعًا يَلتهمُ مجتمعاتِنا قبل أن نُدركَ أنَّ العقلَ البشريَّ، إذا استسلمَ لراحةٍ مُخدِّرة، ماتَ وهو يَظنُّ أنَّهُ يَحيا.

جنوبيات
أخبار مماثلة