الأمثالُ الشَّعبيَّةُ مِرآةُ حياةِ النَّاس، تُجسِّدُ خبراتِهم، وتَحملُ في طيَّاتها حِكمةَ التَّجربةِ وسُخريةَ المواقف. ومِن بينِها مَثَلٌ دارجٌ في بلادِ الشّام: «كمل النَّقل بالزَّعرور».
كان الفلَّاحون قديمًا يَجمعونَ محاصيلَهم في قُفَفٍ، فإذا لم تَكفِهم الثِّمارُ القيِّمةُ ملأوا القُفَّةَ بما تيسَّر من ثمرٍ رخيصٍ لا يُباع بثمنٍ، كالزَّعرور. فيبدو الحملُ ممتلئًا، لكنَّه في الحقيقةِ بلا قيمة. ومن هنا صارَ المثلُ يُضرَبُ لمن يُضاعِفُ خسارتَهُ بعملٍ لا ينفع، فيُفسِدُ فوقَ فساد.
يُروى أنَّ رجلًا يُدعَى "أبا فارس" كسَر قُفَّتَه وهو يَنقلُ الثِّمار. فأصرَّ بعنادٍ أن يُكمِلَ حملَه بقُفَّةٍ قديمةٍ مُمزَّقة. وما إن بلغَ بابَ دارِه حتّى تَناثَرتِ الثِّمارُ في الوَحل. وحين حاولَ تداركَ الخَسارة، أمر أولادَه أن يَقطِفوا له زَعرورًا ليُكملَ ما فَقَد! عندها ضَحكَ الجيرانُ وقالوا ساخرين: «كمل النَّقل بالزَّعرور». فصارت قصَّتُه مَثَلًا سائغًا في الألسُن.
وللعَربِ أمثالٌ كثيرةٌ تُشبِهُ هذا المَعنى:
«زاد الطِّينَ بِلَّة»، يُضرَبُ لمن يُضاعفُ المُصيبةَ بسوءِ تصرُّفه.
«رجعَ بخُفَّي حُنين»، يُقالُ في مَن خابَ سَعيُه وضاعَ جُهدُه.
«عُذْرٌ أقبَحُ مِن ذَنب»، إذ يُحاوِلُ المرءُ تبريرَ خطئِه فيقعُ في خطأٍ أفدَح.
صفوة القول:
إنَّ الأمثالَ، مهما بدا فيها من سُخريةٍ أو طرافة، إنَّما تُخبِرُنا بحقيقةٍ بليغة: أنَّ العاقلَ لا يُضاعِفُ الخَسارةَ بعنادِه، ولا يَزيدُ النَّزيفَ إهمالًا، بل يَقفُ عندَ حدودِ الخطأ ليُصلِحَ ما يُمكن إصلاحُه.
وعليه، إذا واجهتَ عثرةً صغيرةً في حياتك، فتذكَّرْ أنَّ إكمالَ النَّقلِ بالزَّعرور ليس حَلًّا، وإنَّما استِسلامٌ لِلمزيدِ مِن التَّعقيد. والحِكمةُ كلُّ الحِكمةِ أن تَحسِمَ أمرك في الوقتِ المناسب، فلا تَسمح لمَصيبةٍ صغيرةٍ أن تَصيرَ قدَرًا ثقيلاً.