يَا صَاحِ، مَا أَكْبَرَ فَرْقاً بَيْنَ إِنْسَانٍ ذِي قِيمَةٍ، وَآخَرَ لَهُ ثَمَنٌ!
فَالأَوَّلُ مِيزَانُهُ نَفْسُهُ، وَرَأْسُ مَالِهِ كَرَامَتُهُ، يَقِفُ شَامِخاً وَلَوْ تَكَاثَفَتْ عَلَيْهِ غيَاهِبُ الحَيَاةِ.
أَمَّا الثَّانِي فَلَيْسَ سِوَى سِلْعَةٍ فِي سُوقِ المَطَامِعِ، يَتَخَاطَفُهُ الطَّامِعُونَ كَمَا تَتَخَاطَفُ الرِّيحُ أَوْرَاقَ الخَرِيفِ.
كُنْ بِنَفْسِكَ مُكْتَفِياً، فَإِنَّ مَنْ ابْتَغَى الكِفَايَةَ عِنْدَ غَيْرِهِ، أَضَاعَ مَفَاتِيحَ قَلْبِهِ، وَهَانَ عَلَى النَّاسِ قَبْلَ أَنْ يَهُونَ عَلَى نَفْسِهِ. وَمَنْ جَعَلَ سعَادَتَهُ مَرْهُونَةً بِالأَيْدِي المُنْعِمَةِ، عَاشَ أَسِيراً، وَإِنْ تَظَاهَرَ بِالحُرِّيَّةِ.
اصْنَعْ لِنَفْسِكَ قِيمَةً لَا تُقَدَّرُ بِثَمَنٍ، قِيمَةً تُضِيءُ الدُّرُوبَ وَلَوْ خَبَا مَا حَوْلَكَ مِنْ مَصَابِيح. كُنْ لِنَفْسِكَ صَدِيقاً حِينَ يَجْفُوكَ الأَصْدِقَاءُ، وَسَنَدَاً حِينَ تَتَكَسَّرُ أَعْمِدَةُ الدُّنْيَا حَوْلَكَ. فَالنَّفْسُ إِذَا عَرَفَتْ قَدْرَهَا، غَنِيَتْ وَلَوْ فَقَرَتْ، وَإِذَا جَهِلَتْ نَفْسَهَا، بَاعَتْ كَرَامَتَهَا بِأَبْخَسِ الأَثْمَانِ.
لَا تَكُنْ سَائِراً فِي زِحَامِ الحَيَاةِ تُرَدِّدُ أَصْوَاتَ غَيْرِكَ، بَلْ كُنْ صَوْتاً لَهُ نَبْرَتُهُ الخَاصَّةُ، وَمَعْنَاهُ الفَرِيدُ. إِنَّ أَعْظَمَ إِبْدَاعٍ أَنْ تَكُونَ نَفْسَكَ، وَأَنْ تَرْفُضَ أَنْ تَكُونَ صُورَةً مُسْتَنْسَخَةً لِغَيْرِكَ.
فَامْضِ يَا صَاحِ عَلَى طَرِيقِ الاكْتِفَاءِ، وَازْرَعْ فِي نَفْسِكَ مَا يَجْعَلُكَ عَظِيماً دُونَ أَنْ تَطْلُبَ شَهَادَةَ العَالَمِ. فَإِنَّ قِيمَتَكَ الحَقِيقِيَّةَ مَصْدَرُهَا دَاخِلُكَ، لَا تَنْبعُ مِنْ مَحَافِلِ التَّصْفِيقِ وَلَا مِنْ أَعْيُنِ النَّاظِرِينَ.
كُنْ بِنَفْسِكَ مُكْتَفِياً، كُنْ لِنَفْسِكَ كُلَّ شَيْءٍ، وَسَتَرَى أَنَّ الدُّنْيَا كُلَّهَا تَأْتِي إِلَيْكَ وَهِيَ صَغِيرَةٌ.