"زَهْرَةُ الْبَنَفْسَج"!
هِيَ زَهْرَةٌ
تَتَفَتَّحُ فِي خَفَقَاتِ الْمَسَاءِ،
تُخْفِي بَيْنَ أَوْرَاقِهَا أَسْرَاراً
لَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدٌ أَنْ يَقْرَأَهَا.
هِيَ أُنْثَى الْأَلْوَانِ،
تَسْكُنُ عَتَبَاتِ الرُّوحِ،
وَتُطَارِدُ أَحْلَامَ الْغُيُومِ
حَتَّى يَرْتَعِشَ الْقَمَرُ عَلَى أَهْدَابِهَا.
يَا زَهْرَةَ الْبَنَفْسَج،
كَيْفَ اسْتَطَعْتِ أَنْ تَجْعَلِي الْحُزْنَ جَمِيلاً،
وَالدَّمْعَ نَغْمَةً،
وَالْوحْدَةَ جَنَّةً صَغِيرَةً
يُغَطِّيهَا عِطْرُكِ السِّرِّيُّ؟
أَنْتِ مِثْلُ قَصِيدَةٍ مَخْمُورَةٍ
تُخْفِي بَيْنَ بُيُوتِهَا لَهِيباً،
وَتُسَافِرُ بِنَا
نَحْوَ بَحْرٍ لَا نَعْرِفُ اسْمَهُ.
كُلَّمَا لَمَسْتُكِ،
أَحْسَسْتُ أَنَّ الْوَقْتَ يَتَحَوَّلُ إِلَى مَاءٍ،
وَأَنَّ الْأَصَابِعَ تَذُوبُ كَالشَّمْعِ
فِي مَعَابِدِ الْحَنِينِ.
هَا أَنَا أَكْتُبُكِ،
وَلَكِنَّ الْحُرُوفَ أَصْغَرُ مِنْ جنَاحِكِ،
وَالْمَعَانِي أَضْيَقُ مِنْ صَدْرِكِ،
فَكَيْفَ أُحَاصِرُكِ
وَأَنْتِ الْفرَارُ الدَّائِمُ
مِنْ أَسْوَارِ الْكَلِمَاتِ؟
يَا زَهْرَةً،
إِذَا أَتَى الْمَطَرُ تَفَتَّحْتِ كَأُورْغَانٍ سَمَاوِيٍّ،
وَإِذَا جَاءَ الرَّعْدُ
صِرْتِ أَنْتِ النَّغْمَةَ الَّتِي تَشُقُّ صَدْرَ اللَّيْلِ.
إِنَّكِ أَشْبَهُ بِنَجْمَةٍ ضَائِعَةٍ،
تَنْحَدِرُ فِي غَسَقِ الْفُصُولِ،
تُحَدِّثُ الْجِبَالَ عَنْ سِرِّهَا،
وَتُسَافِرُ وَحْدَهَا
فَوْقَ أَكْتَافِ الرِّيَاحِ.
يَا بَنَفْسَجَةً،
فِي حُضُورِكِ يَهْدَأُ الْكَوْنُ،
تَخْمُدُ أَصْوَاتُ الْحَرْبِ،
وَيُصْبِحُ الْعُمُرُ قَصِيدَةً
مَكْتُوبَةً بِالضَّوْءِ وَالدُّعَاءِ.