24 محرم 1448

الموافق

الجمعة 10-07-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

بأقلامهم بأقلامهم الفيلات في صيدا: حيّ خارج الخدمة وناخبون بلا تمثيل
الفيلات في صيدا: حيّ خارج الخدمة وناخبون بلا تمثيل
جنان طرحة
2025-10-01
الفيلات في صيدا: حيّ خارج الخدمة وناخبون بلا تمثيل

على تخوم مدينة صيدا، حيث يلتقي البحر بذاكرة الزلزال، تعيش منطقة “الفيلات” على إيقاع الحرمان. هذه الضاحية التي وُلدت عام 1956 على أنقاض كارثة طبيعية، حين بنت مصلحة التعمير مساكن لإيواء المتضررين، قُسّمت يومها إلى ثلاثة أحياء: التعمير التحتاني، التعمير الوسطاني، والفيلات التي شُيّدت لتكون حيّ العائلات الميسورة. لكن عقودًا من التحولات الاجتماعية والاقتصادية، حوّلت “الفيلات” إلى حيّ شعبي مكتظ، يختصر صورة التهميش في لبنان.

اليوم، يسكن الفيلات أكثر من 20 ألف نسمة موزعين على نحو خمسة آلاف عائلة. خلف الأبواب المتلاصقة، تتكرر الحكايات نفسها: انقطاع المياه المستمر الذي يدفع الأهالي لشراء الصهاريج، كهرباء غائبة إلا من الاشتراكات الخاصة، شوارع محفّرة، إنارة معدومة، وصرف صحي متآكل يتحوّل مع كل شتوة إلى مستنقع يهدد الصحة العامة.

العطش مرهون بالمازوت

لا يقتصر انقطاع المياه على برنامج التقنين المعلن من مصلحة مياه لبنان الجنوبي. فالمصدر الرئيسي لمياه الفيلات هو بئر "الفيلات – سيروب"، وعندما تتوقف مضخاته بسبب نفاد المازوت، تُقطع المياه عن آلاف العائلات. هكذا، يصبح الحق في نقطة ماء رهينة برميل محروقات، بدل أن يكون خدمة أساسية تضمنها الدولة.

تقول أم مصطفى، وهي سيدة ستينية تسكن الفيلات منذ زواجها:

"من يوم دخلت هذا الحي وأنا أعيش هنا. مرّت علينا أيام صعبة، لكن لم أشهد مثل هذه المعاناة. المياه مقطوعة، نشتريها بالصهاريج، والـمجارير طافحة في الشوارع. الروائح لا تُحتمل، وأنا مريضة ولا أستطيع حتى فتح النوافذ. صرنا نعيش وكأننا غرباء في حيّنا، ندفع ما علينا ولا أحد يسأل عنا".

إلى جانب معاناة الكبار، لا تقل معاناة الشباب حدّة. علي، شاب في العشرين من عمره وطالب جامعي، يلخص يومياته:

"أعود من الجامعة لأدرس على ضوء الهاتف، فالكهرباء مقطوعة أغلب الوقت. ندفع للاشتراك لكن الفاتورة أعلى من قدرتنا. كيف بدي أتابع دراستي أو أعمل مشروع صغير وأنا حتى الإنترنت بيفصل كل شوي؟ نشعر أننا نُعاقَب فقط لأننا نعيش في هذه المنطقة".

مواطنون بلا قرار

المفارقة أنّ الفيلات لا تتبع إداريًا لبلدية صيدا، رغم أنّ معظم سكانها من أبناء المدينة، بل تُدار من قِبل بلدية المية ومية. وهذا يعني أنّ آلاف السكان يدفعون الضرائب والرسوم من دون أن يكون لهم الحق في انتخاب المجلس البلدي الذي يُدير شؤون حياتهم اليومية.

هذه الثغرة ليست تفصيلًا إدارياً، بل تكشف خللًا بنيوياً في النظام الانتخابي اللبناني، حيث لا يُربط حق الاقتراع بمكان السكن الفعلي، بل بالقيد الأصلي. النتيجة أن الفرد قد يعيش ويدفع ما عليه في منطقة، لكن صوته الانتخابي يعود إلى بلدة قد لا يقيم فيها منذ عقود.

في حالة الفيلات، يُترجم هذا الخلل بحرمان آلاف المواطنين من التأثير في مصير حيّهم: فلا يستطيعون محاسبة المجلس البلدي، ولا تغيير ممثليهم، وكأنّ أصواتهم مُعلّقة خارج حدود المكان الذي يعيشون فيه.


بلديات أسيرة النفوذ

هذا الانفصام بين الإقامة والتمثيل جعل البلديات في لبنان أداة بيد الوجهاء المحليين والقوى السياسية. بدل أن تكون مؤسسات تنموية، تحولت إلى ساحات محاصصة محكومة بالتوازنات والسلطويات. وبذلك، أصبح الإنماء خاضعًا للتوافقات لا لحاجات الناس.

في الفيلات، تظهر هذه المعادلة بأوضح صورها: آلاف المواطنين يعيشون في حيّ يحتاج إلى أبسط مقومات الحياة، فيما قرارهم البلدي يُتخذ بعيدًا عنهم. هنا، لا تعود المشكلة مجرد نقص في الكهرباء أو المياه، بل أزمة في صميم العلاقة بين المواطن والدولة، حيث تتحوّل الخدمات إلى امتياز، والتمثيل السياسي إلى ترف، بدل أن يكونا قاعدة أساسية للعيش الكريم.

الحاجة إلى تعديل النظام الانتخابي

قضية الفيلات تطرح سؤالًا أبعد من الخدمات: كيف يمكن لمواطن أن يُحاسب سلطة محلية لا يملك حق انتخابها؟ وكيف يمكن لحيّ كامل أن يعيش خارج أي تمثيل بلدي حقيقي؟

الإجابة تبدأ من إصلاح النظام الانتخابي البلدي. إذ لا يكفي أن يُربط الاقتراع بـ”مكان القيد” التاريخي، بل ينبغي أن يُعاد النظر ليعكس مكان الإقامة الفعلية. هكذا فقط يمكن للناخب أن يكون شريكًا في إدارة شؤون يومه، لا رهينة دفتر عائلي أو سلطة وجهاء بعيدة.

هذا التعديل ليس رفاهية قانونية، بل شرط أساسي لإعادة وصل المواطن بدولته. فحين يصبح لكل مقيم في منطقة الحق في انتخاب ممثليه البلديين، تتحول البلديات إلى مؤسسات إنمائية فعلية، وتخرج من أسر النفوذ والمحسوبيات

حيّ خارج الخدمة

الفيلات اليوم ليست مجرد ضاحية صيداوية محرومة، بل مرآة لبلد يضع مواطنيه في مواجهة يومية مع غياب الدولة.
فمن أزمة المياه والكهرباء، إلى حرمان الناس من التمثيل البلدي، يتكرّس نموذج حيّ “خارج الخدمة”، وناخبين بلا صوت.

ولعلّ المخرج يبدأ من هنا: الاعتراف بأنّ التنمية لا تُبنى بالصهاريج والاشتراكات، بل بإصلاحات قانونية وسياسية تضمن أن يكون التمثيل حقا والخدمات واجبا، لا أن يظلّا امتيازا مُعلّقا بيد السلطة.

جنوبيات
أخبار مماثلة