عِندَ بُلُوغِ السِّتِّينَ، يَشرَعُ الزَّمَانُ في الانفِضاضِ عنكَ رويدًا رويدًا،
كأوراقِ خريفٍ تَتساقَطُ عن غصونِها بلا وداعٍ،
ويُسقِطُ عنكَ أَستارَ البَريقِ الذي كُنتَ تَظُنُّهُ مُقيمًا في عَينَيك.
فلا تتمسَّكْ بِكُرسيٍّ زائِلٍ، وَلا بِصُورَةِ تَفوُّقٍ وَهْمِيَّةٍ،
وَلَكِنِ اعْتَصِمْ بِخِبرةِ السِّنين وبِعَزِيمَةٍ نَمَتْ فيك صامتةً كالجذورِ تحتَ التُّرابِ، تَحْملُكَ على البَذلِ والعطاءِ دونَ كللٍ.
وَحينَ تَخطُو إلى السَّبْعينَ، يَتَباعَدُ عنكَ الناسُ شيئًا فشيئًا،
فتَتلاشى صُورُ الأصدقاءِ في أفقِ الذكرياتِ،
وَتُصبِحُ وجوهُ الزملاءِ بَهتَةً كظِلٍّ قديمٍ يَمُرُّ بلا صَدى.
فلا تُكثِر قَولَكَ: «كُنتُ، وَكانَ لي…»،
فالجيلُ الجديدُ يَجهلُ ماضِيك، ولا يَعنيه.
تَمَسَّكْ بِمَن يأنسونَ بِحُضورِكَ،
ويَجدونَ فيك دفءَ الأُنسِ، وصفاءَ الحديثِ، كالماءِ الصافي بينَ الصخور.
ثُمَّ إذا انقَضَتِ السَّبْعون، وجاءتِ الثمانون وَالتِّسْعُون،
تَلهَّتِ العائِلَةُ بِأقدارِها، كما تَلهّيتَ أنتَ عن آبائِكَ من قَبل.
فلا تَلُمْهُم؛ فالحياةُ تَأخُذُهم كما أَخَذَتكَ يوْمًا،
وَيَبقَى بجواركَ شريكُ العمرِ الوَفِيّ،
أو صَديقٌ قديمٌ لم يَخُنْ عَهْدَ المَوَدَّةِ،
كنجمٍ صامتٍ يُضيءُ في الليالي الحالكة.
وإذا جاوَزتَ التِّسْعِينَ، تَسمَعُ نِداءَ الطبيعةِ خَفيًّا جَليلًا:
«مِنَ التُّرابِ أَتَيتَ، وإلى التُّرابِ تَعودُ»،
فتَقبَلُ الرحيلَ بصمتٍ، كما يَحتضنُ الغروبُ آخرَ شعاعٍ من الشمس.
وما دُمتَ صَحِيحَ الجَسَدِ، سَلِيمَ العَقْلِ،
فَأقبِلْ على الحَياةِ مُطمَئِنًّا، كمن يَرقُبُ النَّهارَ الجديدَ بعينَي أملٍ:
اُخرُجْ إلى الناسِ، جالِسْ أَصحابَكَ،
كُلْ بِشَهِيَّةٍ، واشرَبْ بِطمَأنِينَةٍ،
واضحَكْ لِعَبَثِ العُمْرِ، وَالْعَبْ كَما يَلْعَبُ الأَطفالُ،
فَالأصدقاءُ الصادقونَ هُم ثَروتُكَ الباقيةُ، كالعطرِ الذي يَبقى في المَنازلِ بعد الرحيل.
وبِذَلِكَ وَحْدَهُ، تَظَلُّ حيًّا في القُلُوبِ،
وإن غَيَّبَكَ اللَّحدُ عن العُيون،
يَبقى حضورُكَ الحَنونُ في الصُّورِ والذاكرة،
كأنَّك نَغمةُ موسيقى تَرنُّ في صَمتِ الزمان.