السَّعادَةُ لَيْسَتْ كَلِمَةً تُرَدَّدُ فِي الفَراغِ، وَلا شُعُوراً عابِراً يَمُرُّ بِالقَلْبِ دُونَ أَثَرٍ، بَلْ هِيَ حَقيقَةٌ تُصاغُ فِي مَواطِنِ العَمَلِ وَالجِدِّ. فَكُلَّما امْتَلأَ الوَقْتُ وَانْشَغَلَتِ النُّفوسُ عَمَلًا، ضاقَتِ الفُرْصَةُ أَمامَ التَّعاسَةِ لِتَتَسَلَّلَ إِلَيْنا. إِنَّ الفَراغَ هُوَ التُّرْبَةُ الَّتِي تَنْبُتُ فِيهَا الهُمومُ، وَالوَحْشَةُ، وَالإِحْباطُ، بَيْنَما العَمَلُ الكَثِيرُ هُوَ المَجالُ الَّذِي يَزْهُو فِيهِ الأَمَلُ وَتُزْهِرُ فِيهِ السَّعادَةُ.
العَمَلُ مِفْتاحُ السَّعادَةِ:
يَظُنُّ كَثِيرُونَ أَنَّ السَّعادَةَ فِي الرّاحَةِ الطَّوِيلَةِ وَالانْعِزالِ عَنِ المَسؤُوليّاتِ، وَلَكِنَّ الحَقِيقَةَ تُؤَكِّدُ أَنَّ هَذِهِ الرّاحَةَ الوَهْمِيَّةَ لا تَلْبَثُ أَنْ تَتَحَوَّلَ إِلَى مَلَلٍ ثَقِيلٍ وَحُزْنٍ مُسْتَتِرٍ. أَمَّا العَمَلُ، فَهُوَ الَّذِي يُخْرِجُ مِنَ الإِنْسانِ طاقَتَهُ الكامِنَةَ، وَيُحَرِّكُ مَواهِبَهُ، وَيَجْعَلُ لِحَياتِهِ مَعْنًى وَقِيمَةً.
وَفِي كَثيرٍ مِنَ الأَحْيانِ يَكُونُ العَمَلُ هُوَ النَّجاة مِن أَنْفُسِنا. فَعِنْدَما تَقْتَرِبُ الغُمُومُ وَيَسْتَعِدُّ الحُزْنُ لِغَزْوِ القَلْبِ، يَأْتِي العَمَلُ كَدرْعٍ يَحْمِي النَّفْسَ وَيُعِيدُ إِلَيْها التَّوازُنَ وَالقُدْرَةَ عَلَى المُضِيِّ قُدُماً.
السَّعادَةُ فِي الإِنْجازِ لا فِي التَّمَنِّي:
لَيْسَتِ السَّعادَةُ نَتِيجَةَ أَمانِيٍّ تَسْكُنُ الأَفْكارَ، بَلْ هِيَ ثَمَرَةُ عَمَلٍ وَجُهْدٍ وَمُثابَرَةٍ. فَالإِنْسانُ الَّذِي يُنْجِزُ عَمَلًا ـ كَبيراً كانَ أَو صَغيراً ـ يَشْعُرُ بِقِيمَةِ يَوْمِهِ وَيَجِدُ فِي نَفْسِهِ مَصْدَراً لِلفَرَحِ وَالقُوَّةِ.
قَدْ يَكُونُ الإِنْجازُ فِي خِدْمَةِ مُجْتَمَعٍ، أَو إِتْمامِ مَشْروعٍ، أَو حَتّى في بَسْمَةٍ تُرْسِلُها لِقَلْبٍ يَحْتاجُها. وَكُلُّها أَعْمالٌ تُشْعِرُنا بِأَنَّنا نَصْنَعُ فَرْقاً فِي هَذِهِ الحَياةِ.
العَمَلُ يُوَلِّدُ الأَمَلَ:
فِي زَمَنٍ تَكْثُرُ فِيهِ المَصاعِبُ وَتَتَوالى فِيهِ التَّحَدِّياتُ، يَبْقى العَمَلُ هُوَ السِّلاح الَّذِي نُواجِهُ بِهِ اليَأْسَ، وَهُوَ الجِسْرُ الَّذِي نَعْبُرُ بِهِ نَحْوَ الغَدِ. كُلُّ يَدٍ تَعْمَلُ هِيَ يَدٌ تَصْنَعُ الأَمَلَ، وَكُلُّ قَلْبٍ يَسْعَى هُوَ قَلْبٌ يَسْتَحِقُّ السَّعادَةَ.
فَلْنَجْعَلِ العَمَلَ صَديقَنا، وَنَحْمِلْهُ مَعَنا كَنُورٍ يُنِيرُ الطَّرِيقَ، وَنَتَذَكَّرْ أَنَّهُ ما مِن سَعادَةٍ تَزُورُنا إِلّا إِذا كُنّا نَسْعَى، وَما مِن أَمَلٍ يُولَدُ إِلّا مِن رَحِمِ العَمَلِ وَالعَطَاءِ.