24 محرم 1448

الموافق

السبت 11-07-2026

علم و خبر 26

علم و خبر 26

مقالات هيثم زعيتر مقالات هيثم زعيتر رحيل الحاج وليد الحديري .. ووعد بأن فلسطين التي أحبها ستبقى حيّة
رحيل الحاج وليد الحديري .. ووعد بأن فلسطين التي أحبها ستبقى حيّة
هيثم زعيتر
2025-10-04
رحيل الحاج وليد الحديري .. ووعد بأن فلسطين التي أحبها ستبقى حيّة

برحيل الحاج وليد علي الحديري "أبو علي"، والد رئيسة ديوان الرئاسة الفلسطينية السيدة انتصار الحديري أبو عمارة، يُطوى فصل طويل من عمر 97 عاماً ميلادية (ما يُوازي 100 سنة هجرية)، عاشها مُفعماً بالحب والوفاء للوطن، وظلّت فلسطين تسكن قلبه وروحه حتى الرمق الأخير.

خرج من بلدته الظاهرية - قضاء صفد، بتاريخ 15 أيار/مايو 1948، مع نكبة فلسطين، تاركاً خلفه الأرض، وحاملاً معه أثمن ما يملكه: ذكريات الطفولة، وأحاديث المدرسة، وروح المسجد، وأزقة البلدة التي شكّلت الذاكرة الأولى لمسيرته الطويلة في المنافي.
رحلة اللجوء، قادته بدايةً إلى مدينة طرابلس، حيث أقام في منطقة الميناء، قبل أن يستقر في مُخيم البداوي في شمال لبنان، وهناك أعاد بناء حياته، على الرغم من قسوة الغربة، وأسّس أسرة مع رفيقة دربه ناديا بكير.
لم تكن الغربة في نظره سوى محطة مُؤقتة، أما الوطن فكان الحاضر الدائم في بيته وأحاديثه وتربية أبنائه وأحفاده.
ربّاهم جميعاً على أن فلسطين ليست مُجرد مكان على خارطة، بل روح وهوية وتاريخ، وأن العودة إليها قدر محتوم، مهما طال الزمن.
أدى الحاج وليد فريضة الحج، وأتقن حفظ القرآن الكريم وترتيله، ورفع الأذان بصوته العذب، من المسجد الذي لازمه، وعلّم أولاده وأحفاده والأجيال، تعاليم القرآن الكريم، بالتأكيد على الأخوة والتعاون والتسامح، وأن العودة إلى فلسطين حتمية، مهما طال الزمن.
عُرف بثقافته الواسعة، وحضوره المُميّز، وشكل ذاكرة حيّة تروي تاريخ فلسطين كما عاشه، وتستحضر تفاصيل الحياة في الظاهرية، وكأنه يسرد كتاباً مفتوحاً من الذاكرة.
لم يكن يكتفي بسرد الوقائع، بل كان يكسوها بالحكمة والأحاديث، التي تعطي المعنى العميق للانتماء، لتظل الأجيال الجديدة مُتصلة بجذورها، مُدركة أن الهوية الفلسطينية لا تزول مهما تباعدت المسافات.
وقد أتيح للحاج وليد أن يعود زائراً إلى فلسطين، فكانت تلك اللحظات بالنسبة إليه محطة مُؤثرة لا تُنسى.
وقف أمام أطلال قريته الظاهرية، فاستعاد طفولته في المدرسة والمسجد، وسار في الأزقة التي فارقها صغيراً، والدموع تفيض من عينيه.
جال مع أحفاده في كل أرجاء الوطن، وكأنه أراد أن يُسلّمهم الأمانة بأكملها: أن فلسطين ليست مُجرد ذكرى، بل عهد يجب الحفاظ عليه جيلاً بعد آخر.
حتى آخر أيامه، ظلّ الحاج وليد يردّد: "كني يا روح كني… تراب القدس أغلى من الذهب"، مُعبّراً عن عمق إيمانه بأن الأرض هي أثمن ما يملك الإنسان، وأن القدس تظل البُوصلة التي تهدي الدروب.
أما وصيته الأخيرة فكانت عهداً صادقاً: أن يُنقل رفاته إلى فلسطين يوم تعود القوافل إلى الديار، ليبقى كما عاش، مُرتبطاً بالأرض حتى بعد الرحيل.
برحيل الحاج "أبو علي"، يغيب واحد من "سنديانات النكبة"، الذين حملوا الوطن في قلوبهم، وظلوا أمناء على الذاكرة الفلسطينية، لكن أثره لا يغيب.
فقد ترك للأبناء والأحفاد، وللمُجتمع الذي عاش فيه، إرثاً من الوفاء والوعي والثقافة، وجعل من حياته شاهداً على أن فلسطين ليست مجرد قضية سياسية، بل حياة كاملة مُتجذّرة في القلوب.
يبقى اسمه حاضراً كأحد الأصوات التي قاومت النسيان، والرجال الذين أثبتوا أن المنفى لا يلغي الهوية، وأن فلسطين قادرة على أن تعيش في كل بيت وقلب وروح، حتى يحين يوم العودة، ويستعيد الشعب الفلسطيني حقه المسلوب وأرضه الطاهرة.
ونحن إذ نودّع الحاج وليد الحديري "أبو علي"، نتقدّم من ابنته رئيسة ديوان الرئاسة الفلسطينية السيدة انتصار الحديري أبو عمارة، وعائلته الكريمة، بأحرّ التعازي وأصدق مشاعر المُواساة، سائلين المولى عز وجل أن يتغمد الفقيد الغالي بواسع رحمته ويسكنه فسيح جناته، وأن يلهم ذويه الصبر والسلوان.
لا يقتصر رحيل الحاج "أبو علي" بفقدانه على أسرته وحدها، بل خسارة رحيل أبٍ ومُعلمٍ وذاكرةٍ حيةٍ، وخسارة لكل من عرفه وعاش معه وسمع منه، وعنه، لأنه كان شاهداً على فلسطين في كل تفاصيلها، وحافظاً لأمانة الوطن حتى آخر لحظة.
رحم الله الفقيد، وجعل ذكراه بركة للأبناء والأحفاد، وعزاءً مُتجدداً بأن فلسطين التي أحبها ستبقى حيّة حتى يتحقق وعد العودة.

جنوبيات
أخبار مماثلة