الحَمدُ لِلَّهِ الَّذِي حَرَّمَ الظُّلمَ عَلَى نَفسِهِ، وَجَعَلَهُ بَينَ العِبَادِ مُحَرَّمًا، وَتَوَعَّدَ الظَّالِمِينَ بِسُوءِ الخَاتِمَةِ، فَقَالَ سُبحَانَهُ: ﴿وَسَيَعلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾.
أيُّهَا القُرَّاءُ الكِرَامُ، إِنَّ الظُّلمَ دَاءٌ عُضَالٌ، وَبَلاءٌ عَامٌّ، مَا دَخَلَ قَلبًا إِلَّا أَفسَدَهُ، وَمَا سَادَ أُمَّةً إِلَّا أَهْلَكَهَا. وَقَد جَرَّبَتِ البَشَرِيَّةُ عَلَى مَدَى العُصُورِ أَنَّ الظَّالِمَ مَهما عَلا وَتَجَبَّرَ، وَبَغَى وَاسْتَكْبَرَ، فَإِنَّ نِهَايَتَهُ قَادِمَةٌ لَا مَحَالَةَ، وَسَاعَةَ السُّقُوطِ مُحَدَّدَةٌ وَمَرسُومَةٌ.
إِنَّ الظُّلمَ ـ وَإِن طَالَ زَمَانُهُ ـ فَإِنَّهُ مُؤذِنٌ بِالزَّوَالِ، وَإِنَّ جَنَاحَهُ ـ وَإِن بَسَطَ فِي الفَضَاءِ وَأَظلَّ ـ فَهُوَ جَنَاحٌ مَكسُورٌ، لَا يَلبَثُ أَن يَتهَاوَى عَلَى صَاحِبِهِ فَيُرْدِيهِ. وَمَا أَجمَلَ قَولَ سَيِّدِ البَشَرِ عَلَيهِ أَفضَلُ الصَّلَاةِ وَأَتمُّ السَّلَامِ: « إتّقُوا الظُّلم فإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَومَ القِيَامَةِ». فَالظَّالِمُ يَسِيرُ فِي دَربٍ مَلِيءٍ بِالظُّلُمَاتِ، يُحجَبُ عَنهُ نُورُ الحَقِّ، وَتُغلَقُ دُونَهُ أَبوَابُ النَّجَاةِ، حَتَّى يَقَعَ فِي الحُفرَةِ الَّتِي حَفَرَهَا بِيَدَيهِ.
وَلَكُم فِي التَّارِيخِ عِبَرٌ وَآيَاتٌ؛ فَكَم مِن جَبَّارٍ سَادَ فَاسْتَبَدَّ، وَأَخَذَ بِالقُوَّةِ مَا لَيسَ لَهُ، فَجَعَلَ الأَرضَ مَلأً بِصَوتِهِ وَهَيلَمَانِهِ، ثُمَّ إِذَا هُوَ رُكُومٌ عَلَى رُكُومٍ، لَا يُذكَرُ إِلَّا بِالخِزيِ وَالخُسرَانِ. وَهَل يَنسَى التَّارِيخُ قَارُونَ الَّذِي بَغَى فِي الأَرضِ فَخَسَفَ اللَّهُ بِهِ وَبِدَارِهِ؟ أَو فِرعَونَ الَّذِي قَالَ: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعلَى﴾ فَأَغرَقَهُ اللَّهُ فَكَانَ آيَةً لِلعَالَمِينَ؟ هَؤُلَاءِ وَغَيرُهُم مَاثِلُونَ شَاهِدُونَ، يُثبِتُونَ أَنَّ مَلكَ الظُّلمِ إِلَى زَوَالٍ، وَأَنَّ صَوتَ العَدلِ هُوَ البَاقِي وَالدَّائِمُ.
أَيُّهَا الأَحِبَّةُ، إِنَّ لِلظَّالِمِ نِهَايَةً مَحسُومَةً، فَإِن لَم تُدرِكهُ يَدُ العَدلِ فِي الدُّنيَا، أَدرَكَهُ وَعدُ العَدْلِ الأَكبَرِ يَومَ القِيَامَةِ، يَومَ تَتَقَطَّعُ الأَسْبَابُ وَيَقفُ كُلُّ إِنسَانٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينَةً. وَسَاعَتَهَا يَتَمنَّى الظَّالِمُ لَو أَنَّهُ لَم يَظلِم أَحَدًا، وَلَكِن "أَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِن مَكَانٍ بَعِيدٍ".
فَلنَتَّعِظ، وَلنَجعَل مِن سُنَنِ اللَّهِ فِي خَلقِهِ دَرسًا مُبِينًا؛ أَنَّ البَاطِلَ مَهما عَلَا فَهُوَ زَائِلٌ، وَأَنَّ الحَقَّ مَهما غَابَ فَهُوَ آتٍ، وَإِنَّ "النِّهَايَةَ الحَتمِيَّةَ" لِكُلِّ ظَالِمٍ سُقُوطٌ مُدَوٍّ، وَخِزْيٌ مُقِيمٌ، وَعِقَابٌ عَادِلٌ، وَتِلْكَ سُنَّةُ اللَّهِ الَّتِي لَن تَجِدَ لَهَا تَبدِيلًا.