النِّسيانُ آفةٌ خطيرةٌ تُصيبُ عقلَ الإنسان، وتُقعِدهُ عن أداءِ ما أُوكلَ إليه من واجباتٍ ومسؤوليّات. وهو ضَعفٌ يُعاني منه كلُّ بَشرٍ على تفاوتٍ في الدرجات، إذ لا يَسلمُ منه أحد، ولا يَنجو من أضرارهِ مخلوق. قال اللهُ تعالى: ﴿وَمَا أَنسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ [الكهف: 63]، فجعلَ النسيانَ من وساوسِ الشيطان، وما ذاكَ إلّا لشدّة ما فيه من بلاء.
النِّسيانُ إذا جاوَزَ حَدَّهُ انقلبَ من سَترٍ ورحمةٍ إلى داءٍ ومِحنة. فهو من جهةٍ يخفِّفُ على المرءِ ذِكرى المصائبِ ويُنسيه مواقفَ الحزنِ والألم، غير أنّه من جهةٍ أخرى يُضعفُ ذاكرةَ العاقل، ويُعطّلُ ملكاتِه، ويُثقِّلُ مسيرتَه في طلبِ العلم والعمل. فكم من حافظٍ ضيَّعَ محفوظَه، وكم من عاهدٍ نكثَ عهدَه، وكم من مسؤولٍ غفَل عن أمانته بسببِ هذه الآفةِ المُقعِدة.
ولقد عنيَت الحضاراتُ القديمةُ والحديثةُ بمداواة النسيان والحدِّ من غوائله، فأوصَت بحفظِ الذهنِ بالرياضةِ والتدرُّب، وصَونِه عن الخمولِ والكَسل، وتعَهُّدِه بالقراءةِ والكتابة، واستعمالِ أساليب التذكيرِ والتدوين. وقد أثبتَت الدراساتُ أنّ للعاداتِ الصحيّةِ أثراً بالغاً في تقويةِ الذاكرة، كالنومِ المنتظَم، والغذاءِ المتوازن، والابتعادِ عن الملهياتِ المُفرِطة.
وإذا كان النسيانُ قد كُتِبَ على الإنسانِ جِبِلّةً وطَبعاً، فإنّ الحَزمَ واليقظةَ والتوكّلَ على اللهِ تعصمُه من غوائلِه. فلْيستَعِنِ المرءُ بخالقهِ في حفظِ ما يحتاجُ إليه، وليأخذْ بأسبابِ التذكّر، حتّى يُثمِرَ عقلُه علماً، وقلبُه فهماً، وعملُه نفعاً.
فالنِّسيانُ سيفٌ ذو حدَّين؛ إنْ حُصِرَ في مجراهُ كانَ رحمة، وإنْ أُطلِقَ له العِنانُ كان نقمة. وما أحقَّنا اليومَ – في زمنٍ تتزاحمُ فيه المعارفُ وتتكاثرُ المشاغل – أن نُحسِنَ إدارةَ ذاكرتِنا، ونُجاهدَ آفةَ النسيانِ بالذكرِ والفِكر، وبالعلمِ والعمل، حتّى نظلَّ أُمّةً واعيةً، حافظةً لتراثها، أمينةً على رسالتها.