إِنَّ الإنسانَ مَخلوقٌ مُتكامِلٌ، يَتألَّفُ مِن نَفسٍ وَعَقلٍ وَجَسَدٍ، وَكُلُّ جُزءٍ مِن هَذِه الأَجزَاءِ يُسَانِدُ الآخَرَ فِي مَسِيرَةِ الحَياةِ. وَمِن ثَمَّ، كَانَت سَلامَةُ العَقلِ وَالجَسَدِ شَرطًا لِحِفظِ النَّفسِ وَصَونِ الكَرامَةِ الإنسَانِيَّةِ.
فَالعَقلُ هُوَ مَنبَعُ الفِكرِ وَالإِدرَاكِ، وَهُوَ أَثمنُ مَا يُميِّزُ الإنسانَ. وَالمُجتَمَعُ الَّذي يَحرِصُ عَلَى تَنمِيَةِ العُقولِ وَحِمايَتِهَا مِن كُلِّ مَا يُضعِفُهَا ـ مِثلَ الإِدمانِ، وَالخُرَافاتِ، وَالإِهمَالِ الثَّقافِيِّ ـ يَضْمَنُ لأَفرَادِهِ قُدرَةً عَلَى الإِبداعِ وَالإِسهَامِ الفَعَّالِ فِي التَّقدُّمِ. وَقَد أَثبَتَ العِلمُ أَنَّ التَّعلُّمَ الدَّائِمَ، وَالتَّدرِيبَ الذِّهنِيَّ، وَالمُناقَشَةَ الرَّصِينَةَ، تَحفَظُ نَشاطَ العَقلِ وَتُطِيلُ عُمرَهُ المُنتِجَ.
وَالجَسَدُ بِالمِثلِ هُوَ أَدَاةُ الحَياةِ وَوَسِيلَةُ التَّحقِيقِ. فَبِسَلامَتِهِ يُمكِنُ لِلإِنسَانِ أَن يَعمَلَ وَيُعطِي، وَبِضَعفِهِ يَتعَطَّلُ كُلُّ مَا سِوَاهُ. وَالعِنَايَةُ بِالجَسَدِ لَيسَت تَرَفًا، بَل ضَرُورَةً قَطعِيَّةً تَتَجَسَّدُ فِي الغِذاءِ الصّحِيِّ، وَالنَّومِ الكافِي، وَمُمَارَسَةِ الرِّياضَةِ، وَالبُعدِ عَن كُلِّ مَا يُضِرُّ بِالصِّحَّةِ وَيُهدِرُ القُدرَةَ.
وَحِينَ يَجتَمِعُ العَقلُ السَّلِيمُ مَعَ الجَسَدِ القَوِيِّ، تَطمَئِنُّ النَّفسُ وَيَستَقِرُّ التَّوازُنُ الدَّاخِلِيُّ. وَهَذَا التَّوازُنُ هُوَ مِفتَاحُ السَّعَادَةِ الفَردِيَّةِ وَالنَّجَاحِ الاجتِماعِيِّ؛ فَالفَردُ السَّلِيمُ يُسَاهِمُ فِي بِنَاءِ مُجتَمَعٍ أَصحَّ وَأَكثَرَ قُدرَةً عَلَى التَّقَدُّمِ.
إِنَّ سَلامَةَ العَقلِ وَالجَسَدِ لَيسَت مَسؤُولِيَّةَ الفَردِ وَحدَهُ، بَل هِيَ مَسؤُولِيَّةٌ مُشتَرَكَةٌ تَتَوزَّعُ بَينَ الأُسرَةِ وَالمَدرَسَةِ وَالمُؤسَّسَاتِ، وَتَتَطلَّبُ وَعْيًا جَماعِيًّا يَحفَظُ الإنسَانَ وَيَرْفَعُ المُجتَمَعَ.