في الدُّولِ الَّتِي تَحترمُ نَفْسَهَا، يُعَدُّ التَّحْقِيقُ نَبْضَ العَدْلِ ومِقياسَ مصداقِيَّتِها. لا يَسْتَقِيمُ أَمْرُ الدَّوْلَةِ إذا تُرِكَتِ الجِرَاحُ مَفتُوحَةً، والْملَفَّاتُ مُعلَّقَةً، والحقائِقُ مَطْمُوسَةً تَحْتَ وَقْعِ النُّفوذِ والمَصالحِ.
ما نَشهَدُهُ اليومَ في فضيحةِ تزويرِ الشهاداتِ الجامعيّةِ، وخُصوصًا في الفرعِ الأوّلِ مِنَ الجامعةِ اللبنانيةِ، جَرَسُ إنذارٍ صارخٌ لكلِّ من يَزْعُمُ أنَّ العدلَ باقٍ. هذا ليس خَطَأً إداريًّا عابِرًا ولا هَفْوَةً بسيطةً، بل مَسْألةَ أمنٍ قضائيٍّ وقانونيٍّ تُهدِّدُ صِدْقيّةَ مؤسّساتِنا ومُستقبلَ أجيالٍ كاملةٍ.
منْظورٌ أمنيٌّ: تَزويرُ الشهاداتِ يَضُرُّ بالأمنِ الوطنيِّ لأنَّه يُمكِّنُ غيرَ المؤهَّلينَ من احتلالِ مَنَاصِبَ حَسّاسةٍ، ويَفْتَحُ البابَ لانْتِشارِ الفَسادِ والمؤسَّساتِ المَحسوبَةِ على القِيمِ.
منْظورٌ قضائيٌّ: التَّقاعُسُ عن إكمالِ التحقيقاتِ يُعدُّ تَفرِيطًا بِواجِباتِ الأجهزة القضائيّةِ ويُضعِفُ ثِقةَ الجمهورِ بنزاهَةِ القِضاءِ.
منْظورٌ قانونيٌّ: كُلُّ مَن يعوِّقُ سَيْرَ التحقيقِ أو يَتَدَخَّلُ فيهِ لِحِمايةِ مَتورِّطٍ يُتعامَلُ مَعَهُ كَرَفيقٍ فِي الجَريمةِ بمُوجبِ القوانينِ ذاتِ الصِّلةِ، ويَجبُ أن تَطالَ المساءلةُ الجميعَ دونِ استثناءٍ.
الخطرُ الحقيقيُّ لا يَكْمُنُ في فعلِ التزويرِ بِحدِّ ذاتهِ، بَلْ في التَّسَتُّرِ عَلَى الجريمةِ وفي تَشَييعِ ثقافةِ الإفلاتِ من العُقوبَةِ. حينَ يُصبِحُ المُزوِّرونَ أبطالًا إعلاميّينَ أو يُحاطونَ بحِماياتٍ نافِذةٍ، تَنهارُ مؤَسَّساتُ الثِّقةِ ويَنتَجُ جِيلٌ مِنَ القِيَمِ المُشوَّهةِ.
لذلك نُؤكِّدُ بِحزمٍ: أكمِلوا التحقيقاتِ، بلا تخلُّفٍ وبلا مِهادَنَةٍ. حَقُّ الجمهورِ أن يَعرِفَ الحَقائقَ كاملةً، وحَقُّ الضحايا أن يَنالُوا العدالةَ، وحَقُّ الوطنِ أن تُستَعادَ مصداقيّته. ولا بدَّ من إجراءاتٍ شفّافةٍ وواضِحَةٍ، تشملُ:
حمايةَ الشهودِ والمبلّغينَ ضدَّ أيِّ ضَغوطٍ أو تَهديداتٍ.
نشرَ نتائجِ التحقيقِ كاملةً أو تقْريرٍ مُوجَزٍ يَشرحُ ما جَرَى والإجراءاتِ المتَّخَذَةَ.
ملاحَقَةَ كلِّ مَن ساعدَ أو تواطأَ، بِما في ذلكَ النافِذونَ والوسائِطُ الإعلاميّةُ إن وُجِدَ تَحَريضٌ أو تَسَتُّرٌ.
مراجعةَ أنظمةِ التوثيقِ واعتمادِ آلياتِ تحقّقٍ إلكترونيّةٍ صارِمةٍ تمنعُ تَكرارَ المَسْأَلةِ.
المؤسساتُ لا تَهبطُ مَجّانًا؛ إنّما يَهبطُ صِيتها عندما يَغيبُ المُحاسب. إنَّ التهاونَ اليومَ يَصنَعُ كارِثةَ الغدِ. فأيُّ مجتمعٍ يَقبلُ بخِداعِ شهاداتِ العلمِ يَقبلُ بشِللِ بنيتِهِ الوظيفيّةِ ومَوتِ كفاءتِه.
أخِيرًا، نُوجِّهُ نِداءً صَريحًا إلى كلِّ مَن يَهمُّهُ أمرُ الوطنِ: لا تخافوا من النّفوذِ، ولا تُحصِنُوا أحدًا فوقَ القانونِ. أكْمِلُوا التحقيقاتِ الآنَ — لأنَّ العدالةَ لا تتأخَّرُ، ولأنَّ المستقبلَ لا يَستَوعِبُ التهاونَ.