لَيْسَتِ التَّقَدُّمَاتُ العِلْمِيَّةُ وَحْدَهَا مِعْيَارًا لِقِيَاسِ حَضَارَةِ الأُمَمِ، فَكَمْ مِنْ أُمَّةٍ بَلَغَتْ ذُرَى التِّقْنِيَّةِ وَفَقَدَتْ فِي الطَّرِيقِ قِيمَ الإِنْسَانِيَّةِ. وَإِنَّ أَكْبَرَ مَا يُعَانِيهِ الإِنْسَانُ المُعَاصِرُ هُوَ ذَاكَ التَّمَزُّقُ بَيْنَ طُمُوحِ العَقْلِ وَحَاجَةِ الرُّوحِ، بَيْنَ رَغْبَةِ السَّيْطَرَةِ عَلَى الطَّبِيعَةِ وَوَجَعِ الفَقْدِ لِسَكِينَةِ النَّفْسِ.
إِنَّ العَالَمَ اليَوْمَ يَحْتَاجُ إِلَى ثَوْرَةٍ أَخْلَاقِيَّةٍ تُعِيدُ إِلَى الإِنْسَانِ وَجْهَهُ الحَقِيقِيَّ، فَلَا تُغْرِقُهُ التِّقْنِيَاتُ فِي بَحْرِ الآلَاتِ، وَلَا تُسْقِطُهُ المَادِّيَّةُ فِي هَاوِيَةِ الجَفَافِ الرُّوحِيِّ. فَالأُمَمُ لَا تُقَاسُ بِمَا تُنْتِجُهُ مَصَانِعُهَا فَقَطْ، بَلْ بِمَا تُنْتِجُهُ قُلُوبُهَا مِنْ رَحْمَةٍ، وَمَا تُقَدِّمُهُ عُقُولُهَا مِنْ حِكْمَةٍ.
وَإِنَّنَا، وَنَحْنُ نُوَاجِهُ ضَغْطَ الحَيَاةِ العَصْرِيَّةِ، مَدْعُوُّونَ أَكْثَرَ مِنْ أَيِّ وَقْتٍ سَابِقٍ لِتَجْدِيدِ صِلَتِنَا بِالجَوْهَرِ الإِنْسَانِيِّ، ذَاكَ الجَوْهَرِ الَّذِي يُعَلِّمُنَا أَنَّ التَّقَدُّمَ الحَقِيقِيَّ هُوَ الَّذِي يُعَمِّرُ الإِنْسَانَ دَاخِلًا كَمَا يُعَمِّرُهُ خَارِجًا، وَيَرْفَعُهُ قِيمَةً كَمَا يَرْفَعُهُ قُدْرَةً.
إِنَّ المُجْتَمَعَ الَّذِي يَبْنِي نُظُمَهُ عَلَى قَاعِدَةِ القِيَمِ، يُصْبِحُ أَقْدَرَ عَلَى مُوَاجَهَةِ الأَزْمَاتِ، فَالأَخْلَاقُ تَكْفُلُ تَضَامُنًا أَصِيلًا لَا تَقْوَى عَلَيْهِ العَوَاصِفُ، وَتُؤَسِّسُ لِثِقَةٍ عَامَّةٍ تَجْعَلُ كُلَّ فَرْدٍ شَرِيكًا فِي صِيَاغَةِ الغَدِ. وَمَا مِنْ قُوَّةٍ أَحَقُّ بِأَنْ تُسْتَثْمَرَ مِنْ قُوَّةِ الإِيمَانِ بِالعَدَالَةِ وَالمَسْؤُولِيَّةِ الجَمَاعِيَّةِ.
أَمَّا الفَرْدُ، فَهُوَ مَدْعُوٌّ إِلَى مُرَاجَعَةِ نَفْسِهِ دَوْمًا، فَيُحَافِظ عَلَى تَوَازُنِهِ بَيْنَ طُمُوحِهِ وَرَاحَتِهِ، وَيَجْعَل التِّقْنِيَةَ وَسِيلَةً لِلرُّقِيِّ لَا سَيِّدًا يُسَيِّرُ حَيَاتَهُ. وَإِذَا وَعَى كُلُّ إِنْسَانٍ أَنَّ قِيمَتَهُ فِي مَا يُضِيفُهُ مِنْ مَعْنًى وَخَيْرٍ، فَإِنَّ الحَيَاةَ سَتُصْبِحُ أَكْثَرَ عَدْلًا وَأَعْمَقَ جَمَالًا.
فَهَلْ نُدْرِكُ، وَنَحْنُ نُسَابِقُ الزَّمَنَ، أَنَّنَا أَحْوَجُ مَا نَكُونُ إِلَى التَّوَقُّفِ قَلِيلًا، لِنَسْمَعَ صَوْتَ الرُّوحِ قَبْلَ أَن يَطْمِسَهُ ضَجِيجُ الآلَاتِ؟