في زَمَنٍ يَتَسارَعُ فِيهِ إيقاعُ الأَحْداثِ، وَتَتَزاحَمُ فِيهِ التَّحَدِّياتُ عَلى كُلِّ صَعِيدٍ، يَبْقَى الوَطَنُ دَائِمًا المَلاذَ الأَوَّلَ وَالأَخِيرَ. فَهُوَ لَيْسَ مَجَرَّدَ رُقْعَةٍ جُغْرافِيَّةٍ أَوْ عَلَماً يُرْفَعُ فِي السَّاحَاتِ، بَلْ هُوَ مَعْنًى يَسْكُنُ الأَنْفُسَ، وَقِيمَةٌ تَنْطَبِعُ فِي القُلُوبِ.
إنَّ الوَطَنَ لَيْسَ كَلِمَةً نَنْطِقُهَا عَرَضًا، بَلْ نَبْضٌ نَحْيَا بِهِ وَفِيهِ. هُوَ الحُلْمُ الَّذِي لا يَهْرَمُ، وَالذِّكْرَى الَّتِي لا تَغِيبُ، وَالمُستَقبَلُ الَّذِي نَصْنَعُهُ بِعُرُوقِنَا وَعَرَقِنَا. فِي كُلِّ حَجَرٍ مِنْ أَرْضِهِ حِكَايَةُ جِيلٍ صَبَرَ وَبَنَى، وَفِي كُلِّ نَسَمَةٍ مِنْ هَوَائِهِ دَعْوَةٌ لِلثَّبَاتِ وَالعَطَاءِ.
مَنْ يُحِبُّ وَطَنَهُ حَقًّا، يَرَاهُ فِي نَجَاحِ طِفْلٍ، وَفِي مُعَلِّمٍ يُضِيءُ العُقُولَ، وَفِي عَامِلٍ يُنْجِزُ صَامِتًا، وَفِي جُنْدِيٍّ يَسْهَرُ وَيَحْرُسُ الحُلْمَ الكَبِيرَ. هُوَ بَذْرَةُ الأَمَلِ فِي صُدُورِنَا، وَالشَّمْسُ الَّتِي تَسْتَحِقُّ أَنْ نُقَدِّمَ لَهَا أَجْمَلَ مَا فِينَا.
الوَطَنُ يَحْتاجُ إِلَى مُواطِنٍ يُجَسِّدُهُ فِي سُلُوكِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْفَعَ شِعَارَهُ، وَيُدافِعُ عَنْهُ بِالعَمَلِ قَبْلَ الكَلامِ. وَحِينَ يَتَّحِدُ الإِنْسَانُ وَالأَرْضُ فِي مَسِيرَةٍ واحِدَةٍ، يَصِيرُ كُلُّ جُهْدٍ صَغِيرٍ حَجَرَ أَسَاسٍ فِي بِنَاءِ الغَدِ الوَعِيدِ.
لَيْسَتِ التَّحَدِّياتُ سَبَبًا لِلإِحْباطِ، بَلْ هِيَ مَجَالٌ لاِخْتِبارِ القُدْرَةِ وَصَقْلِ الإِرادَةِ. وَالأَمَلُ الَّذِي نَتَشَبَّثُ بِهِ لَيْسَ وَهْمًا، بَلْ هُوَ رُؤْيَا نَزْرَعُهَا فِي الوَاقِعِ بِالعَمَلِ وَالمُثابَرَةِ. فَبِالعَمَلِ الجَادِّ وَالإِخْلاصِ يَتَحَوَّلُ الأَمَلُ إِلَى حَقِيقَةٍ، وَبِالوَاقِعِ المَبْنِيِّ عَلى الإِرادَةِ يَتَحَقَّقُ الوُجُودُ الكَرِيمُ.
وَإِنَّ أَعْظَمَ مَا يُمْكِنُ أَنْ نُقَدِّمَهُ لِوَطَنِنَا اليَومَ هُوَ أَنْ نَتَّحِدَ عَلَى القِيمِ الأَصِيلَةِ: النَّزَاهَةِ، وَالمَسْؤُولِيَّةِ، وَحُبِّ العَمَلِ. فَبِهَا تَنْهَضُ الأُمَمُ، وَبِهَا يَبْقَى الوَطَنُ حَيًّا يَنْبُضُ فِي أَعْمَاقِنَا.
فِي نِهَايَةِ المَطَافِ، لَيْسَ الوَطَنُ مَكَانًا نَسْكُنُهُ فَقَطْ، بَلْ هُوَ نَبْضٌ يَسْكُنُنَا، وَصَوْتٌ يَدْعُونَا، وَوَعْدٌ نَكْتُبُهُ بِأَعْمَالِنَا. فَإِنْ حَفِظْنَاهُ بِالإِخْلَاصِ، حَفِظَنَا بِالعِزَّةِ، وَإِنْ رَفَعْنَاهُ بِالعَمَلِ وَالعَزِيمَةِ، رَفَعَنَا بَيْنَ الأُمَمِ كَرَامَةً وَمَقَامًا.