إنَّ الكَلِمَةَ لَيْسَتْ مَجْرَّدَ أَصْوَاتٍ تُلْفَظُ أَوْ حُرُوفٍ تُكْتَبُ، بَلْ هِيَ جَوْهَرٌ نَافِذٌ يَسْتَقِرُّ فِي العُقُولِ وَيَتَأَصَّلُ فِي القُلُوبِ، فَيُحَرِّكُ العَوَاطِفَ وَيُؤَثِّرُ فِي السُّلُوكِ وَيُسَاهِمُ فِي تَشْكِيلِ الوَاقِعِ. وَمَا مِنْ أُمَّةٍ قَامَتْ إِلَّا وَكَانَتِ الكَلِمَةُ عِمَادَ بِنَائِهَا وَسِرَّ نَهْضَتِهَا.
فَالكَلِمَةُ الصَّادِقَةُ تُزَكِّي النُّفُوسَ وَتُقَوِّي العَزَائِمَ، وَالكَلِمَةُ الكَاذِبَةُ تُفْسِدُ الضَّمَائِرَ وَتُشَوِّهُ الحَقَائِقَ. وَقَدْ جَعَلَ اللهُ تَعَالَى الكَلِمَةَ الطَّيِّبَةَ كَالشَّجَرَةِ الطَّيِّبَةِ، أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ، تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا. وَفِي هَذَا التَّشْبِيهِ بَيَانٌ جَلِيٌّ لِمَا تُنْتِجُهُ الكَلِمَةُ مِنْ ثِمَارِ الخَيْرِ وَالعِلْمِ وَالفَضِيلَةِ.
وَإِذَا كَانَتِ الكَلِمَةُ أَدَاةَ تَبْلِيغٍ، فَإِنَّهَا فِي الحَقِيقَةِ جِسْرٌ يَرْبطُ بَيْنَ الفِكْرِ وَالفِكْرِ، وَقَنْطَرَةٌ تَصِلُ بَيْنَ الإِنْسَانِ وَأَخِيهِ الإِنْسَانِ. وَبِهَا تَتَشَكَّلُ الحِوَارَاتُ وَتُبْنَى التَّفَاهُمَاتُ وَتَنْشَأُ الثَّقَافَاتُ. فَمَنْ أَحْسَنَ صِيَاغَةَ كَلِمَتِهِ رَبِحَ قُلُوبَ النَّاسِ وَأَسَرَ أَلْبَابَهُمْ، وَمَنْ أَسَاءَ التَّعَامُلَ مَعَهَا خَسِرَ نَفْسَهُ وَمُجْتَمَعَهُ.
وَمِنْ هُنَا، كَانَ لَازِمًا عَلَى المُثَقَّفِ وَالأَدِيبِ وَالعَالِمِ أَنْ يَجْعَلَ مِنْ كَلِمَتِهِ مِصْدَراً لِلهِدَايَةِ وَالتَّوْعِيَةِ وَالإِصْلَاحِ، وَأَلَّا يَتَّخِذَهَا سَبِيلًا لِلتَّفْرِقَةِ أَوْ أَدَاةً لِلتَّضْلِيلِ. فَالمُجْتَمَعُ الَّذِي يَسُودُ فِيهِ صِدْقُ الكَلِمَةِ يَعِيشُ فِي سَلاَمٍ وَوَئَامٍ، أَمَّا المُجْتَمَعُ الَّذِي يَسُودُ فِيهِ زَيْفُهَا فَهُوَ عُرْضَةٌ لِلتَّشَتُّتِ وَالفَوْضَى.
إِنَّ الكَلِمَةَ أَمَانَةٌ، وَالمُؤْمِنُ الحَقُّ هُوَ الَّذِي يَضَعُهَا فِي مَوْضِعِهَا، فَيَقُولُ خَيْرًا أَوْ يَصْمُتُ. وَهَكَذَا تَكُونُ الكَلِمَةُ نُورًا يَهْدِي وَمِصْبَاحًا يُضِيءُ وَبُنْيَانًا يُشَيَّدُ عَلَيْهِ أَصْلُ الحَيَاةِ الكَرِيمَةِ.