25 محرم 1448

الموافق

السبت 11-07-2026

علم و خبر 26

أخبار

علم و خبر 26

بأقلامهم بأقلامهم "الحاجة إلى التَّفَكُّرِ والاتِّزان"!
"الحاجة إلى التَّفَكُّرِ والاتِّزان"!
القاضي م جمال الحلو
2025-11-02
"الحاجة إلى التَّفَكُّرِ والاتِّزان"!

الحياةُ، في جَوهَرِها، سَيْرٌ مُتواصِلٌ بينَ أفراحٍ وأتراح، وبينَ نَجاحٍ وإخفاق. وليسَ العاقلُ مَن يُقاسُ قَدرُهُ بما يُصيبُهُ من حظوظٍ عابرة، بل بما يُنشِئُهُ من مَواقف، ويَترُكُهُ من أثرٍ في النّاسِ والزَّمان.
إنَّ أَهمَّ ما يُعانِي منهُ إنسانُ العَصرِ هو غَلَبَةُ السُّرعةِ على التَّفَكُّر، وهيمنةُ الضَّجيجِ على الصَّوتِ الباطنِ الهادئ. فالمجتمعاتُ تَغتَنِي بالمادَّةِ وتفتقِرُ إلى مَعنى، والإنسانُ يَزدادُ علماً بالمَظاهرِ ويَفقدُ صِلتَهُ بالحقائقِ الجَوهَرية. ولو سَألتَ اليومَ عن حظِّ النّاسِ من التَّأمُّلِ في ذواتِهم، لَوَجَدتَهُ أندرَ منَ النّجومِ في وضَحِ النَّهار.
إنَّ التَّفَكُّرَ ليس تَرَفاً ذِهنياً، ولا تَرفيهاً فِكرياً، بل هو قُوَّةٌ مَنطِقيَّةٌ وأداةٌ أخلاقيَّة تُعيدُ للإنسانِ اتِّزانَهُ في عالَمٍ مُضطَرِب. فبِالتَّفَكُّرِ يُحسِنُ المرءُ فَهمَ نفسِه، وبالانتِزانِ يُحسِنُ صُنعَ قرارِه. ومن جَمعَ بينَهما كانَ أقدرَ على قيادةِ حياتِه قيادةً رشيدة، وأَولى بِنَيلِ احترامِ نَفسِه واحترامِ الآخَرين.
إنَّ ما نَشهَدُهُ من خِلافاتٍ وضُغوطٍ ومُعاناةٍ في مجالاتٍ شتّى، ما هو إلّا ثمرةُ غيابِ هذَين الأصلَين: التَّفَكُّرِ والاتِّزان. ولو سادَا في الأُسَر، وفي المَدارس، وفي ساحاتِ العَمل، لَتحوَّلت الأزماتُ إلى فُرَص، والاختِلافاتُ إلى ثَرَاءٍ، والتَّحدِّياتُ إلى مَدارِجَ للنُّموِّ والرُّقيّ.
فلنَجعَلْ مِن لحظاتِ صَمتِنا مَواطِنَ لِلتَّأمُّل، ومِن اختياراتِنا مَواقِفَ للاعتدال، حتّى نَستَعيدَ معَنى الإنسانِ فينا، ونُضيفَ إلى دُنيانا ما يُبقينا ذِكرى نَيِّرةً في سِجلِّ التّاريخ.
فإذا ضاقَت بنا الدُّروبُ، وتنازَعَنا صَخَبُ الأيّام، فلنُدركْ أنّ في داخِلِنا مِصباحاً لا يَخبو، يُضيئه التَّفكُّرُ، ويَحفَظُهُ الاتِّزان. وما الإنسانُ، في نهايةِ المطاف، إلّا شُعلةُ وعيٍ إنْ أَشرَقَتْ أضاءَتِ العالَمَ من حولِها، وإنْ أَطفَأَها الغَفلُ عاشَ في الظِّلِّ ولو كانَ تحتَ عينِ الشَّمس.

جنوبيات
أخبار مماثلة